وذلك لأنّ السّيّد هو المستحقّ للسّؤدد ، أي للأسباب العالية الّتي تؤهّله لذلك ، فأمّا المنافق فإنّه موصوف بالنّقائص ، فوصفه بذلك وضع له في مكان لم يضعه اللّه فيه ، فلا يبعد أن يستحقّ واضعه بذلك سخط اللّه . وقيل معناه: إن يك سيّدًا لكم فتجب عليكم طاعته ، فإذا أطعتموه في نفاق فقد أسخطتم ربّكم . وقال ابن الأثير: لا تقولوا للمنافق سيّد ، فإنّه إن كان سيّدكم وهو منافق فحالكم دون حاله ، واللّه لا يرضى لكم ذلك .
ثانيًا
التّسويد من السّواد
أ - التّسويد بالخضاب:
12 -ذهب الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة إلى أنّ خضاب الرّجل بالسّواد مكروه في غير الجهاد في الجملة . وللحنفيّة والمالكيّة في ذلك تفصيل:
قال ابن عابدين: يكره الخضاب بالسّواد أي لغير الحرب ، قال في الذّخيرة: أمّا الخضاب بالسّواد للغزو - ليكون أهيب في عين العدوّ - فهو محمود بالاتّفاق .
وإن كان ليزيّن نفسه للنّساء فمكروه ، وعليه عامّة المشايخ . وبعضهم جوّزه بلا كراهة . روي عن أبي يوسف أنّه قال: كما يعجبني أن تتزيّن لي يعجبها أن أتزيّن لها .
وقال المالكيّة: الخضاب بالسّواد إذا كان للتّغرير فهو حرام . كمن أراد نكاح امرأة فصبغ شعر لحيته الأبيض ، بالسّواد . وإن كان للجهاد حتّى يوهم العدوّ الشّباب ندب .
وإن كان للتّشابّ كره . وإن كان مطلقًا فقولان: بالكراهة والجواز .
وقال الشّافعيّة: إنّ الخضاب بالسّواد حرام في الجملة ، ولهم في ذلك تفصيل وخلاف .
قال النّوويّ في المجموع: اتّفقوا على ذمّ خضاب الرّأس واللّحية بالسّواد ، ثمّ قال: قال: الغزاليّ في الإحياء ، والبغويّ في التّهذيب ، وآخرون من الأصحاب: هو مكروه .
وظاهر عبارتهم أنّه مكروه كراهة تنزيه ، والصّحيح - بل الصّواب - أنّه حرام .
وممّن صرّح بتحريمه صاحب الحاوي في باب الصّلاة بالنّجاسة ، قال: إلاّ أن يكون في الجهاد ، وقال في آخر كتاب الأحكام السّلطانيّة يمنع المحتسب النّاس من خضاب الشّيب بالسّواد إلاّ المجاهد ، ودليل تحريمه حديث جابر رضي الله عنه قال: « أتي بأبي قحافة والد أبي بكر الصّدّيق رضي الله عنهما يوم فتح مكّة ورأسه ولحيته كالثّغامة بياضًا فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: غيّروا هذا ، واجتنبوا السّواد » ، وعن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال: « قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: يكون قوم يخضّبون في آخر الزّمان بالسّواد كحواصل الحمام ، لا يريحون رائحة الجنّة » ، ولا فرق في المنع من الخضاب بالسّواد بين الرّجل والمرأة .. هذا مذهبنا ، وحكي عن إسحاق بن راهويه أنّه رخّص فيه للمرأة تتزيّن به لزوجها .
وقال النّوويّ في روضة الطّالبين: خضاب المرأة بالسّواد إن كانت خليّةً من الزّوج وفعلته فهو حرام ، وإن كانت زوجةً وفعلته بإذنه فجائز على المذهب ،وقيل: وجهان كوصل الشّعر. وقال الرّمليّ: يحرم على المرأة الخضاب بالسّواد ، فإن أذن لها زوجها في ذلك جاز ، لأنّ له غرضًا في تزيّنها له ، كما في الرّوضة وأصلها ، وهو الأوجه .
هذا في خضب الرّجل والمرأة الشّعر بالسّواد ، أمّا خضبهما الشّعر بغير السّواد ، كالحمرة والصّفرة مثلًا ، وخضبهما غير الشّعر كاليدين والرّجلين ففيه تفصيل يذكر في موطنه .
وقال الحافظ في الفتح: إنّ من العلماء من رخّص في الاختضاب بالسّواد مطلقًا ، ومنهم من رخّص فيه للرّجال دون النّساء . وتفصيل ذلك في مصطلح: ( اختضاب ) .
ب - لبس السّواد في الحداد:
13 -اتّفق الفقهاء على أنّه يجوز للمتوفّى عنها زوجها لبس السّواد من الثّياب ... ولا يجب عليها ذلك ، بل لها أن تلبس غيره .
واختلف فقهاء الحنفيّة في المدّة الّتي يجوز لها أن تلبس فيها السّواد ، فقال بعضهم: لا تجاوز ثلاثة أيّام . ولكنّ فقهاء المذهب - ومنهم ابن عابدين - حملوا ذلك على ما تصبغه الزّوجة بالسّواد وتلبسه تأسّفًا على زوجها ، أمّا ما كان مصبوغًا بالسّواد قبل موت زوجها ، فيجوز لها أن تلبسه مدّة الحداد كلّها .ومنع الحنفيّة لبس السّواد في الحداد على غير الزّوج.
وقال المالكيّة: إنّ المحدّ يجوز لها أن تلبس الأسود ، إلاّ إذا كانت ناصعة البياض ، أو كان الأسود زينة قومها .
وقال القليوبيّ من الشّافعيّة: إذا كان الأسود عادة قومها في التّزيّن به حرم لبسه ، ونقل النّوويّ عن الماورديّ أنّه أورد في"الحاوي"وجهًا يلزمها السّواد في الحداد .
ج - لبس السّواد في التّعزية:
14 -اتّفق الفقهاء على أنّ تسويد الوجه حزنًا على الميّت - من أهله أو من المعزّين لا يجوز - لما فيه من إظهار للجزع وعدم الرّضا بقضاء اللّه وعلى السّخط من فعله ، ممّا ورد النّهي عنه في الأحاديث . وتسويد الثّياب للتّعزية مكروه للرّجال ، ولا بأس به للنّساء ، أمّا صبغ الثّياب أسود أو أكهب تأسّفًا على الميّت فلا يجوز على التّفصيل السّابق .
د - السّواد في اللّباس والعمامة:
15 -يندب لبس السّواد عند الحنفيّة ، قال ابن عابدين: ندب لبس السّواد ، لأنّ محمّدًا ذكر في السّير الكبير في باب الغنائم حديثًا يدلّ على أنّ لبس السّواد مستحبّ .
أمّا الصّبغ بالأسود ، ولبس المصبوغ به فنقل عن أبي حنيفة: أنّه لا بأس به .
وقال الشّافعيّة: يندب لإمام الجمعة أن يزيد في حسن الهيئة والعمّة والارتداء ، وترك لبس السّواد له أولى من لبسه ، إلاّ إن خشي مفسدةً تترتّب على تركه من سلطان أو غيره ،