لكن نازعه في البحر بأنّ مقتضى ظاهر الرّواية الكراهة مطلقًا , وبأنّ امتياز الإمام المطلوب حاصل بتقدمه بلا وقوفٍ في مكانٍ آخر , ولهذا قال في الولوالجيّة وغيرها: إذا لم يضق المسجد بمن خلف الإمام لا ينبغي له ذلك , لأنّه يشبه تباين المكانين . انتهى , يعني وحقيقة اختلاف المكان تمنع الجواز فشبهة الاختلاف توجب الكراهة , والمحراب وإن كان في المسجد فصورته وهيئته اقتضت شبهة الاختلاف , قال ابن عابدين: أي لأنّ المحراب إنّما بني علامةً لمحلّ قيام الإمام ليكون قيامه وسط الصّفّ كما هو السنّة , لا لأن يقوم في داخله , فهو وإن كان من بقاع المسجد لكن أشبه مكانًا آخر فأورث الكراهة , لكن التّشبه إنّما يكره في المذموم وفيما قصد به التّشبه لا مطلقًا , ولعلّ هذا من المذموم .
وفي حاشية البحر للرّمليّ: الّذي يظهر من كلامهم أنّها كراهة تنزيهٍ .
وقال ابن عابدين في معراج الدّراية من باب الإمامة: الأصح ما روي عن أبي حنيفة أنّه قال: أكره للإمام أن يقوم بين السّاريتين أو زاوية أو ناحية المسجد أو إلى ساريةٍ , لأنّه بخلاف عمل الأمّة .
وفيه أيضًا: السنّة أن يقوم الإمام إزاء وسط الصّفّ , ألا ترى أنّ المحاريب ما نصبت إلا وسط المساجد وهي قد عيّنت لمقام الإمام .
وفي التّتارخانيّة: ويكره أن يقوم في غير المحراب إلا لضرورة , ومقتضاه: أنّ الإمام لو ترك المحراب وقام في غيره يكره ولو كان قيامه وسط الصّفّ , لأنّه خلاف عمل الأمّة , وهو ظاهر في الإمام الرّاتب دون غيره والمنفرد .
والمشهور عند المالكيّة أنّ الإمام يقف في المحراب حال صلاته الفريضة كيفما اتّفق , وقيل: يقف خارجه ليراه المأمومون , ويسجد فيه .
وقال الشّافعيّة: لا تكره الصّلاة في المحراب ولم يزل عمل النّاس عليه من غير نكيرٍ .
وقال الحنابلة: يكره للإمام الصّلاة في المحراب إذا كان يمنع المأموم مشاهدته , روي عن ابن مسعودٍ رضي الله عنه وغيره , لأنّ الإمام يستتر عن بعض المأمومين , أشبه ما لو كان بينه وبينهم حجاب , إلا من حاجةٍ كضيق المسجد وكثرة الجمع فلا يكره لدعاء الحاجة إليه , ولا يكره سجود الإمام في المحراب إذا كان واقفًا خارجه لأنّه ليس محلّ مشاهدته , ويقف الإمام عن يمين المحراب إذا كان المسجد واسعًا نصًا , لتميز جانب اليمين .
ونقل الجراعيّ عن أحمد أنّه يستحب وقوف الإمام في المحراب .
تنفل الإمام في المحراب:
9 -نصّ المالكيّة على أنّه يكره للإمام التّنفل بالمحراب , لأنّه لا يستحقه إلا حال كونه إمامًا , ولأنّه قد يوهم غيره أنّه في صلاةٍ فيقتدي به .
وقالوا: يكره للإمام الجلوس في المحراب بعد الصّلاة على هيئة الصّلاة ويخرج من الكراهة بتغيير الهيئة لحديث سمرة بن جندبٍ: « كان النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم إذا صلّى صلاةً أقبل علينا بوجهه » أي التفت إليهم يمينًا أو شمالًا ولم يستدبر القبلة لكراهة ذلك .
دلالة المحراب على القبلة:
10 -ذهب الفقهاء إلى أنّ المحراب من الأدلّة الّتي تعرف بها القبلة , وأنّه يعتمد في الدّلالة عليها , ولا يجوز الاجتهاد في القبلة أو تحرّيها مع وجود المحراب المعتمد في الدّلالة عليها وهذا في الجملة , ولهم بعد ذلك تفصيل:
فقال الحنفيّة: تعرف القبلة بالدّليل , وهو في القرى والأمصار محاريب الصّحابة والتّابعين والمحاريب القديمة , وهي لا يجوز تحرّي القبلة معها , بل تعتمد هذه المحاريب في الدّلالة على القبلة , لئلا يلزم تخطئة السّلف الصّالح وجماهير المسلمين الّذين أقاموا هذه المحاريب .
وقال المالكيّة: المسلم الّذي يريد الصّلاة وهو في غير مكّة ولا ما لحق بها يجتهد في استقبال جهة الكعبة , إلا أن يكون بالمدينة المنوّرة بأنوار سيّدنا محمّدٍ صلى الله عليه وسلم , أو بجامع عمرٍو بمصر العتيقة فلا يجوز له الاجتهاد المؤدّي لمخالفة محرابهما , ويجب عليه تقليد محرابهما , لأنّ محراب المدينة بالوحي , ومحراب جامع عمرٍو بإجماع جماعةٍ من الصّحابة نحو الثّمانين , ولا يقلّد المجتهد محرابًا منصوبًا إلى جهة الكعبة إلا محرابًا لمصر - أي بلدٍ عظيمٍ - حضر نصب محرابه إلى جهة الكعبة جمع من العلماء العارفين , وذلك كبغداد ومصر والإسكندرية , والمحاريب الّتي جهل حال ناصبيها داخلة فيما قبل الاستثناء , والمحاريب الّتي قطع العارفون بخطئها لا تجوز الصّلاة إليها لا لمجتهد ولا لغيره .
وقلّد الجاهل بالأدلّة الّتي تحدّد القبلة محرابًا - ولو لغير مصرٍ - لم يتبيّن خطؤه .