وقال الشّافعيّة: المحراب يجب اعتماده ولا يجوز معه الاجتهاد , قال النّووي: واحتجّ له أصحابنا بأنّ المحاريب لا تنصب إلا بحضرة جماعةٍ من أهل المعرفة بسمت الكواكب والأدلّة فجرى ذلك مجرى الخبر , واعلم أنّ المحراب إنّما يعتمد بشرط أن يكون في بلدٍ كبيرٍ , أو في قريةٍ صغيرةٍ يكثر المارون بها بحيث لا يقرونه على الخطأ , فإن كان في قريةٍ صغيرةٍ لا يكثر المارون بها لم يجز اعتماده , قال صاحب التّهذيب: لو رأى علامةً في طريقٍ يقل فيه مرور النّاس , أو في طريقٍ يمر فيه المسلمون والمشركون ولا يدري من نصبها , أو رأى محرابًا في قريةٍ لا يدري بناه المسلمون أو المشركون , أو كانت قرية صغيرة للمسلمين اتّفقوا على جهةٍ يجوز وقوع الخطأ لأهلها فإنّه يجتهد في كلّ هذه الصور ولا يعتمده , وكذا قال صاحب التّتمّة: لو كان في صحراء أو قريةٍ صغيرةٍ أو في مسجدٍ في برّيّةٍ لا يكثر به المارّة فالواجب عليه الاجتهاد , قال: ولو دخل بلدًا قد خرب وانجلى أهله فرأى فيه محاريب , فإن علم أنّها من بناء المسلمين اعتمدها ولم يجتهد , وإن احتمل أنّها من بناء المسلمين واحتمل أنّها من بناء الكفّار لم يعتمدها بل يجتهد , ونقل الشّيخ أبو حامدٍ في تعليقه هذا التّفصيل في البلد الخراب عن أصحابنا كلّهم .
وأضاف النّووي: قال أصحابنا إذا صلّى في مدينة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فمحراب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في حقّه كالكعبة , فمن يعاينه يعتمده , ولا يجوز العدول عنه بالاجتهاد بحال , وفي معنى محراب المدينة سائر البقاع الّتي صلّى فيها رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إذا ضبط المحراب , وكذا المحاريب المنصوبة في بلاد المسلمين بالشّرط السّابق فلا يجوز الاجتهاد في هذه المواضع في الجهة بلا خلافٍ وأمّا الاجتهاد في التّيامن والتّياسر فإن كان محراب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لم يجز بحال , وإن كان في سائر البلاد ففيه أوجه: أصحها يجوز ، قال الرّافعي: وبه قطع الأكثرون .
والثّاني: لا يجوز في الكوفة خاصّةً .
والثّالث: لا يجوز فيها ولا في البصرة لكثرة من دخلها من الصّحابة رضي الله عنهم .
وقال النّووي: قال أصحابنا: الأعمى يعتمد المحراب إذا عرفه بالمسّ حيث يعتمده البصير , وكذا البصير في الظلمة , وفيه وجه: أنّ الأعمى إنّما يعتمد محرابًا رآه قبل العمى , ولو اشتبه على الأعمى مواضع لمسها صبر حتّى يجد من يخبره , فإن خاف فوت الوقت صلّى على حسب حاله وتجب الإعادة .
وقال الحنابلة: لو أمكن من يريد الصّلاة أو التّوجه إلى القبلة معرفة القبلة بالاستدلال بمحاريب المسلمين لزمه العمل به إذا علمها للمسلمين , عدولًا كانوا أو فسّاقًا , لأنّ اتّفاقهم عليها مع تكرار الأعصار إجماع عليها ولا تجوز مخالفتها , قال في المبدع: ولا ينحرف لأنّ دوام التّوجه إليه كالقطع , وإن وجد محاريب ببلد خرابٍ لا يعلمها للمسلمين لم يلتفت إليها , لأنّها لا دلالة فيها لاحتمال كونها لغير المسلمين , وإن كان عليها آثار الإسلام , لجواز أن يكون الباني مشركًا عملها ليغرّ بها المسلمين , قال في الشّرح: إلا أن يكون ممّا لا يتطرّق إليه هذا الاحتمال , ويحصل له العلم أنّه من محاريب المسلمين فيستقبله , وعلم منه أنّه إذا علمها للكفّار لا يجوز له العمل بها , لأنّ قولهم لا يرجع إليه فمحاريبهم أولى . وقال ابن قدامة: لا يجوز الاستدلال بمحاريب الكفّار إلا أن يعلم قبلتهم , كالنّصارى يعلم أنّ قبلتهم المشرق , فإذا رأى محاريبهم في كنائسهم علم أنّها مستقبلة المشرق .