وقد صرّح الشّافعيّة والحنابلة بأنّه لا يضرّ قطع المسافة في زمن يسير ، فلو قطع الأميال في ساعة مثلًا لشدّة جري السّفينة بالهواء ونحوه أو قطعها في البرّ في بعض يوم على مركوب جواد تغيّرت الأحكام في حقّه لوجود المسافة الصّالحة لتغيّر الأحكام ، ولأنّه صدق عليه أنّه سافر أربعة برد .
وذهب الحنفيّة إلى أنّ مسافة السّفر الّذي تتغيّر به الأحكام هو مسيرة ثلاثة أيّام ، وقدّرها بعض مشايخ الحنفيّة بأقصر أيّام السّنة .
قال ابن عابدين نقلًا عن الحلية: الظّاهر إبقاؤها على إطلاقها بحسب ما يصادفه من الوقوع فيها طولًا وقصرًا واعتدالًا إن لم تقدّر بالمعتدلة الّتي هي الوسط . ولا اعتبار عندهم بالفراسخ على المذهب . قال في الهداية هو الصّحيح ، احترازًا عن قول عامّة المشايخ في تقديرها بالفراسخ . ثمّ اختلفوا ، فقيل واحد وعشرون ، وقيل ثمانية عشر ، وقيل خمسة عشر والفتوى على الثّاني ، لأنّه الأوسط ، وفي المجتبى فتوى أئمّة خوارزم على الثّالث .
ثمّ إنّه لا يشترط سفر كلّ يوم إلى اللّيل بل يكفي إلى الزّوال ، والمعتبر السّير الوسط .
قالوا: ويعتبر في الجبل بما يناسبه من السّير ، لأنّه يكون صعودًا وهبوطًا مضيقًا ووعرًا فيكون مشي الإبل والأقدام فيه دون سيرها في السّهل . وفي البحر يعتبر اعتدال الرّيح على المضيّ به ، فيعتبر في كلّ ذلك السّير المعتاد فيه وذلك معلوم عند النّاس فيرجع إليهم عند الاشتباه . وخرج سير البقر يجرّ العجلة ونحوه لأنّه أبطأ السّير ، كما أنّ أسرعه سير الفرس والبريد ، حتّى لو كانت المسافة ثلاثًا بالسّير المعتاد فسار إليها على الفرس جريًا حثيثًا فوصل في يومين أو أقلّ قصر .
ب - القصد:
8 -اتّفق الفقهاء على أنّه يشترط في السّفر الّذي تتغيّر به الأحكام قصد موضع معيّن عند ابتداء السّفر ، فلا قصر ولا فطر لهائم على وجهه لا يدري أين يتوجّه ، ولا لتائه ضالّ الطّريق ، ولا لسائح لا يقصد مكانًا معيّنًا .
وكذا لو خرج أمير مع جيشه في طلب العدوّ ولم يعلم أين يدركهم فإنّه يتمّ وإن طالت المدّة أو المكث ومثله طالب غريم وآبق يرجع متى وجده ولا يعلم موضعه وإن طال سفره .
وهذا فيمن كان مستقلًّا برأيه أمّا التّابع لغيره كالزّوجة مع زوجها ، والجنديّ مع الأمير . ففيه خلاف وتفصيل ينظر في ( صلاة المسافر ) .
ج - مفارقة محلّ الإقامة:
9 -يشترط في السّفر الّذي تتغيّر به الأحكام مفارقة بيوت المصر فلا يصير مسافرًا قبل المفارقة .
قال الحنفيّة: ويشترط مفارقة ما كان من توابع موضع الإقامة كربض المصر . وهو ما حول المدينة من بيوت ومساكن فإنّه في حكم المصر . وكذا القرى المتّصلة بالرّبض في الصّحيح، بخلاف البساتين ولو متّصلةً بالبناء لأنّها ليست من البلدة .
ولو سكنها أهل البلدة في جميع السّنة أو بعضها ، كما أنّه لا يعتبر سكنى الحفظة والأكرة اتّفاقًا . وأمّا الفناء وهو المكان المعدّ لمصالح البلد كركض الدّوابّ ، ودفن الموتى وإلقاء التّراب فإن اتّصل بالمصر اعتبرت مجاوزته لا إن انفصل بمزرعة بقدر ثلاثمائة إلى أربعمائة ذراع ، والقرية المتّصلة بالفناء دون الرّبض لا تعتبر مجاوزتها على الصّحيح .
والمعتبر المجاوزة من الجانب الّذي خرج منه حتّى لو جاوز عمران المصر قصر ، وإن كان بحذائه من جانب آخر أبنية .
واشترط المالكيّة مجاوزة البساتين إذا سافر من ناحيتها أو من غير ناحيتها وإن محاذيًا لها، وإلاّ فيقصر بمجرّد مجاوزة البيوت .
وقال البنانيّ: لا يشترط مجاوزة البساتين إلاّ إذا سافر من ناحيتها ، وإن سافر من غير ناحيتها فلا تشترط مجاوزتها ولو كان محاذيًا لها إذ غاية البساتين أن تكون كجزء من البلد. قال الدّسوقيّ: مثل البساتين المسكونة القريتان اللّتان يرتفق أهل أحدهما بأهل الأخرى بالفعل . وإلاّ فكلّ قرية تعتبر بمفردها . وإذا كان بعض ساكنيها يرتفق بالبلد الأخرى كالجانب الأيمن دون الآخر فالظّاهر أنّ حكمها كلّها كحكم المتّصلة .
ثمّ إنّ العبرة عندهم بالبساتين المتّصلة ولو حكمًا بأن يرتفق سكّانها بالبلد المسكونة بالأهل ولو في بعضه العامّ ارتفاق الاتّصال من نار وطبخ وخبز .
أمّا البساتين المنفصلة أو غير المسكونة فلا عبرة بها ، ولا عبرة أيضًا بالحارس والعامل فيها .