وعلّل الحنفيّة المنع بأنّ اللّبن لا يجتمع في الضّرع دفعةً واحدةً , بل شيئًا فشيئًا فيختلط المبيع بغيره على وجهٍ يتعذّر التّمييز بينهما , فكان المبيع معجوز التّسليم عند البيع فلا ينعقد البيع , وقد روى ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: « نهى أن يباع صوف على ظهر غنمٍ أو لبن في ضرعٍ » .
وأجاز المالكيّة بيع اللّبن في الضّرع لشياهٍ بأعيانها في إبّان لبنها إذا سمّى شهرًا أو شهرين أو ثلاثةً وكان قد عرف وجه حلابها وكانت الغنم كثيرةً .
أمّا إن كان الشّاة أو الشّاتين فاشترى رجل حلابها على كذا وكذا شهرًا بكذا وكذا درهمًا فلا , إلا أن يبيع لبنها كيلًا كل قسطٍ بكذا وكذا .
وكذلك أجاز بيع اللّبن في الضّرع الحسن وسعيد بن جبيرٍ ومحمّد بن مسلمة , وكرهه طاووس ومجاهد .
بيع لبن الآدميّ:
11 -ذهب المالكيّة والشّافعيّة وهو الأصح عند الحنابلة إلى جواز بيع لبن الآدميّة إذا حلب , لأنّه لبن طاهر منتفع به , ولأنّه لبن أبيح شربه , فأبيح بيعه قياسًا على سائر الأنعام , ولأنّه يجوز أخذ العوض عنه في إجارة الظّئر , فأشبه المنافع .
ولا يجوز بيعه عند الحنفيّة وهو قول جماعةٍ من الحنابلة , لأنّ اللّبن ليس بمالٍ فلا يجوز بيعه , والدّليل على أنّه ليس بمالٍ إجماع الصّحابة رضي الله عنهم والمعقول , أمّا إجماع الصّحابة فما روي عن عمر وعليٍّ رضي الله تعالى عنهما أنّهما حكما في ولد المغرور بالقيمة وبالعقر بمقابلة الوطء , وما حكما بوجوب قيمة اللّبن بالاستهلاك , ولو كان مالًا لحكما , وكان ذلك بمحضرٍ من الصّحابة ولم ينكر عليهما أحد فكان إجماعًا , وأمّا المعقول فلأنّه لا يباح الانتفاع به شرعًا على الإطلاق , بل لضرورة تغذية الطّفل , وما حرم الانتفاع به شرعًا إلا لضرورةٍ لا يكون مالًا , والدّليل عليه أنّ النّاس لا يعدونه مالًا , ولا يباع في سوقٍ من الأسواق , ولأنّه جزء من الآدميّ , والآدمي بجميع أجزائه محترم مكرّم , وليس من الكرامة والاحترام ابتذاله بالبيع والشّراء .
وكره بيعه أحمد .
وفي ظاهر الرّواية عند الحنفيّة لا فرق بين لبن الحرّة ولبن الأمة في عدم جواز البيع , لأنّ الآدميّ لم يجعل محلًا للبيع إلا بحلول الرّقّ فيه , والرّق لا يحل إلا في الحيّ , واللّبن لا حياة فيه , فلا يحله الرّق , فلا يكون محلًا للبيع .
وعند أبي يوسف يجوز بيع لبن الأمة لأنّه جزء من آدميٍّ هو مال , فكان محلًا للبيع كسائر أجزائه .
السّلم في اللّبن:
12 -يجوز السّلم في اللّبن عند الشّافعيّة , وفي الأصحّ عند الحنابلة , ويشترط ذكر جنس حيوانه ونوعه ومأكوله من مرعىً أو علفٍ معيّنٍ بنوعه .
واللّبن المطلق يحمل على الحلو وإن جفّ .
ويصح السّلم في اللّبن كيلًا ووزنًا عند الشّافعيّة والحنابلة , ويوزن برغوته , ولا يكال بها لأنّها لا تؤثّر في الميزان .
ونقل المروزيّ عن أحمد أنّه يجوز السّلم في اللّبن إذا كان كيلًا أو وزنًا .
قال ابن قدامة: وهذا أصح إن شاء اللّه تعالى , لأنّ الغرض معرفة قدره وخروجه من الجهالة وإمكان تسليمه من غير تنازعٍ , فبأيّ قدرٍ قدّره جاز .
وعند الشّافعيّة لا يصح السّلم في حامض اللّبن لأنّ حموضته عيب إلا في مخيضٍ لا ماء فيه , فيصح فيه ولا يضر وصفه بالحموضة لأنّها مقصودة فيه .
ويصح السّلم في المخيض عند الحنابلة ولو كان فيه ماء , لأنّ الماء يسير يترك لأجل المصلحة , وقد جرت العادة به , فلم يمنع صحّة السّلم فيه .
وعند المالكيّة نقل الموّاق عن المدوّنة: لا بأس بالسّلم في اللّبن والجصّ والزّرنيخ وشبه ذلك .
واختلفت النقول عند الحنفيّة , ففي البدائع: يشترط في المسلم فيه أن يكون موجودًا من وقت العقد إلى وقت الأجل , فإن لم يكن موجودًا عند العقد أو عند محلّ الأجل , أو كان موجودًا فيهما لكنّه انقطع من أيدي النّاس فيما بين ذلك كالثّمار والفواكه واللّبن وأشباه ذلك , لا يجوز السّلم عندنا .
بينما جاء في الفتاوى الهنديّة: إذا أسلم في اللّبن في حينه كيلًا أو وزنًا معلومًا إلى أجلٍ معلومٍ جاز .
الانتفاع بلبن ماشية الغير:
13 -ذهب الشّافعيّة وهو قول المالكيّة ورواية عن أحمد إلى أنّ من مرّ بماشية غيره وهو غير مضطرٍّ لم يكن له أن يحلبها ليشرب لبنها إلا بإذن صاحبها , لما روى ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: « لا يحلبن أحد ماشية امرئٍ بغير إذنه ، أيحب أحدكم أن تؤتى مشربته فتكسر خزانته فينتقل طعامه ، فإنّما تخزن لهم ضروع ماشيتهم أطعماتهم ، فلا يحلبن أحد ماشية أحدٍ إلا بإذنه » وفي روايةٍ: « فإنّ ما في ضروع مواشيهم مثل ما في مشاربهم » , ولقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: « لا يحل لامرئ من مال أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفسٍ » .
واستثنى كثير من السّلف ما إذا علم بطيب نفس صاحبه وإن لم يقع منه إذن خاص ولا عام .
وفي الرّواية الثّانية لأحمد وهو قول عند المالكيّة أنّه يجوز لمن مرّ بماشية أن يحلب ويشرب ولا يحمل معه شيئًا , لما روى الحسن عن سمرة رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: « إذا أتى أحدكم على ماشيةٍ فإن كان فيها صاحبها فليستأذنه ، فإن أذن له فليحتلب وليشرب ، وإن لم يكن فيها أحد فيصوّت ثلاثًا فإن أجابه أحد فليستأذنه ، فإن لم يجبه أحد فليحتلب وليشرب ولا يحمل » .
وقال ابن حجرٍ: ذهب كثير من السّلف إلى الجواز مطلقًا في الأكل والشرب , سواء علم بطيب نفس صاحبه أو لم يعلم .