فهرس الكتاب

الصفحة 1559 من 2053

وعلّل الشّافعيّة ذلك بأنّه لئلاّ يصير محرمًا بالحجّ في غير أشهره .

وذهب المالكيّة والحنابلة إلى أنّ من فاته الحجّ مخيّر ، إن شاء بقي على إحرامه للعام القابل ، وإن شاء تحلّل ، والتّحلّل أفضل مطلقًا حسب ظاهر الحنابلة .

وقال المالكيّة: إن دخل مكّة أو قاربها فالأفضل له التّحلّل ، وكره إبقاء إحرامه ، فإن هذا محلّه ، وإن كان بعيدًا عنها فيخيّر بين البقاء على الإحرام والإحلال على حدّ سواء . واستدلّوا على هذا التّخيير بما قاله ابن قدامة: إنّ تطاول المدّة بين الإحرام وفعل النّسك لا يمنع إتمامه كالعمرة ، والمحرم بالحجّ في غير أشهره .

كيفيّة تحلّل من فاته الحجّ:

11 -يظلّ الحاجّ الّذي فاته الوقوف بعرفة على إحرامه ، واجتناب محظوراته ومراعاة أحكامه وتلبيته ، حتّى يتحلّل من إحرامه .

ويحصل التّحلّل لمن فاته الحجّ بالطّواف والسّعي وحلق الرّأس أو تقصيره ، باتّفاق الجميع ، وهذه هي أفعال العمرة .

12 -لكن هل هذه الأفعال هي عمرة حقيقيّة أم لا ؟

ذهب الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة إلى أنّها أفعال عمرة ، وليست عمرةً حقيقيّةً ، لذلك عبّروا بقولهم:"أفعال عمرة"كما ذكرنا"وبعمل عمرة"ولا ينقلب إحرامه عمرةً ، بل إنّ إحرامه بالحجّ باق إلى أن يتحلّل بأفعال العمرة كما ذكرنا .

وهذا مرويّ عن أحمد ، وبه قال ابن حامد من الحنابلة .

ومذهب الحنابلة أنّه يجعل إحرامه بعمرة ، وهذا ظاهر كلام الخرقيّ ، ونصّ عليه أحمد واختاره أبو بكر ، وهو قول أبي يوسف من الحنفيّة أنّه ينقلب إحرامه بعمرة .

واستدلّ الجمهور بالآثار الواردة عن الصّحابة ، وفيها قولهم: اصنع كما يصنع المعتمر ، ويذكرون الأعمال: الطّواف والسّعي والحلاق ، ولم يسمّوها عمرةً .

وبأنّه أحرم بالحجّ لا بالعمرة حقيقةً ، واعتبار الحقيقة أصل في الشّرع ، فالقول بانقلاب إحرام الحجّ إحرام عمرة تغيير للحقيقة من غير دليل ، أو كما قال الرّمليّ: لأنّ إحرامه انعقد بنسك فلا ينصرف لآخر ، كعكسه أي كما لا ينصرف إحرام العمرة إلى الحجّ .

كما استدلّوا بأنّ فائت الحجّ لو كان من أهل مكّة يتحلّل بالطّواف والسّعي والحلاق كما يتحلّل أهل الآفاق ، ولا يلزمه الخروج إلى الحلّ ، ولو انقلب إحرامه إحرام عمرة وصار معتمرًا للزمه الخروج إلى الحلّ ، وهو التّنعيم أو غيره ، والحال أنّ ذلك لا يجب عليه عند القائلين بانقلاب إحرام فائت الحجّ إلى عمرة .

وكذلك فائت الحجّ إذا جامع قبل أفعال العمرة للتّحلّل ليس عليه قضاء العمرة ، ولو كان عمرةً لوجب عليه قضاؤها كالعمرة المبتدأة .

وبأنّ هذه الأفعال في الحقيقة تحلّل لا عمرة بدليل عدم تجديد إحرام لها .

واستدلّ الحنابلة ومن معهم على أنّ إحرام فائت الحجّ ينقلب عمرةً بحديث الدّارقطنيّ السّابق عن عبد اللّه بن عمر وابن عبّاس رضي الله عنهم ، وفيه: « فليحلّ بعمرة » .

وبأنّه يجوز فسخ إحرام الحجّ إلى العمرة من غير فوات ، فمع الفوات أولى .

أحكام التّحلّل لمن فاته الحجّ:

13 -لا تحتاج أعمال التّحلّل لفائت الحجّ إلى إحرام جديد بالعمرة عند جمهور الفقهاء لأنّ إحرامه بالحجّ باق ، لكن صرّح المالكيّة والشّافعيّة بأنّه يحتاج إلى نيّة التّحلّل ، فيطوف ويسعى ويحلق أو يقصّر بنيّة التّحلّل ، ولم يصرّح بذلك الحنفيّة .

أمّا الحنابلة فقياس مذهبهم أنّ فسخ الحجّ إلى العمرة يوجب على فائت الحجّ أن ينوي فسخ حجّه إلى عمرة .

وللتّفصيل: ( ر: إحرام ف 127 ) .

14 -وتختلف كيفيّة تحلّل من فاته الحجّ باختلاف إحرامه: إفرادًا كان أو تمتّعًا أو قرانًا . فمن أحرم بالحجّ مفردًا وفاته الحجّ يتحلّل بأفعال العمرة على ما سبق بيانه .

والمتمتّع إن فاته الحجّ يتحلّل من إحرامه كتحلّل المفرد أيضًا ، ويبطل تمتّعه ، لأنّ شرط التّمتّع وجود الحجّ في سنة عمرته وسقط عنه دم التّمتّع عند الحنفيّة والمالكيّة حتّى إن كان ساق معه الهدي لتمتّعه يفعل به ما يشاء .

وقال الشّافعيّة والحنابلة لا يسقط عنه دم التّمتّع وإن كان من فاته الحجّ قارنًا فقد ذهب الجمهور إلى أنّه يتحلّل كما يتحلّل المفرد ، لاندماج أفعال العمرة في الحجّ ، وتفوت العمرة بفوات الحجّ ، وهذه الصّورة مستثناة من الحكم بأنّ العمرة لا تفوت ، ولا يسقط عنه دم القران بل يلزمه إضافةً إلى هدي التّحلّل عندهم ، خلافًا للمالكيّة .

وزاد المالكيّة في التّحلّل فقالوا: كلّ من أحرم بالحجّ من مكّة وفاته الحجّ يؤمر لأجل التّحلّل أن يخرج من مكّة إلى الحلّ ثمّ يقوم بأفعال العمرة ويتحلّل ، وذلك ليجمع في إحرامه لتحلّله بين الحلّ والحرم ، وكذلك لو دخل مكّة معتمرًا ثمّ أردف الإحرام بالحجّ على العمرة في مكّة وفاته الحجّ يخرج إلى الحلّ ويعمل أفعال العمرة ويتحلّل .

وذهب الحنفيّة إلى أنّه إن كان قد طاف لعمرته ويسعى لها ، ثمّ يطوف طوافًا آخر لفوات الحجّ ويسعى له ثمّ يحلق أو يقصّر ، وسقط عنه دم القران ، وعليه قضاء حجّة لا غير ، لفراغ ذمّته من إحرام عمرته .

ووجه ذلك أنّ القارن محرم بعمرة وحجّة ، وعليه عند الحنفيّة طواف وسعي لعمرته ، وطواف وسعي لحجّه ، والعمرة لا تفوت ، لأنّ جميع الأوقات وقتها ، فيأتي بها ، وأمّا الطّواف والسّعي للحجّ فلأنّ الحجّة قد فاتته في هذه السّنة بعد الشّروع فيها وفائت الحجّ بعد الشّروع فيه لا يتحلّل إلاّ بأفعال العمرة ، فيطوف ويسعى ويحلق أو يقصّر .

وأمّا سقوط دم القران فإنّ القران يجب للجمع بين العمرة والحجّ ، ولم يوجد هذا الجمع فلا يجب الدّم .

قضاء الفوائت في العبادات:

14 -يترتّب على فوات العبادة الواجبة حكمان:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت