فهرس الكتاب

الصفحة 1818 من 2053

قال البويطيّ من الشّافعيّة وابن قدامة من الحنابلة: إن أفرد المضمضة بثلاث غرفاتٍ , والاستنشاق بثلاث جاز , لأنّه روي في حديث طلحة بن مصرّفٍ عن أبيه عن جدّه عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم: « أنّه فصّل بين المضمضة والاستنشاق » , لأنّ الفصل أبلغ في النّظافة فكان أولى بالغسل .

ثمّ اختلف الشّافعيّة في الأفضليّة , فقالوا: إنّ فيها طريقين , الصّحيح: أنّ فيها قولين: أظهرهما: الفصل بين المضمضة والاستنشاق أفضل .

والثّاني: الجمع بينهما أفضل .

التّرتيب بين المضمضة وغيرها:

5 -قال الحنفيّة والمالكيّة: التّرتيب بين المضمضة والاستنشاق سنّة , وهو تقديم المضمضة على الاستنشاق , لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يواظب على التّقديم .

وقال الحنابلة وهو وجه عند الشّافعيّة: لا يجب التّرتيب بينهما وبين غسل بقيّة الوجه , لأنّ الأنف والفم من أجزائه , ولكن من المستحبّ أن يبدأ بهما قبل الوجه , لأنّ كلّ من وصف وضوء رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ذكر أنّه بدأ بهما إلا شيئًا نادرًا .

وقال النّووي: اتّفق أصحابنا على أنّ المضمضة مقدّمة على الاستنشاق سواء جمع أو فصل بغرفة أو بغرفات , وفي هذا التّقديم وجهان , حكاهما الماورديّ والشّيخ أبو محمّدٍ الجوينيّ وولده إمام الحرمين وآخرون , أصحهما أنّه شرط وهو المعتمد فلا يحسب الاستنشاق إلا بعد المضمضة , لأنّهما عضوان مختلفان فاشترط فيهما التّرتيب كالوجه واليد .

6 -أما التّرتيب بين المضمضة وسائر الأعضاء غير الوجه فعلى روايتين عند الحنابلة: إحداهما: يجب وهو ظاهر كلام الخرقيّ لأنّها من الوجه فوجب غسلها قبل غسل اليدين للآية وقياسًا على سائر أجزائه .

والثّانية: لا يجب , بل لو تركها في وضوئه وصلّى تمضمض وأعاد الصّلاة ولم يعد الوضوء , لما روى المقدام بن معد يكرب رضي الله عنه: « أتي رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بوضوء فتوضّأ فغسل كفّيه ثلاثًا وغسل وجهه ثلاثًا ثمّ غسل ذراعيه ثلاثًا ثلاثًا ثمّ تمضمض واستنشق ثلاثًا ثمّ مسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما » , ولأنّ وجوبها بغير القرآن , وإنّما وجب التّرتيب بين الأعضاء المذكورة لأنّ في الآية ما يدل على إرادة التّرتيب ولم يوجد ذلك فيها .

المبالغة في المضمضة:

7 -قال الشّربيني الخطيب: المبالغة في المضمضة: أن يبلغ الماء إلى أقصى الحنك ووجهي الأسنان واللّثات .

قال الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة: إنّ المبالغة في المضمضة والاستنشاق سنّة لغير الصّائم لقوله صلى الله عليه وسلم: « إذا توضّأت فأبلغ في المضمضة والاستنشاق ما لم تكن صائمًا » .

ولأنّ المبالغة فيهما من باب التّكميل في التّطهير فكانت مسنونةً إلا في حال الصّوم لما فيها من تعريض الصّوم للفساد .

وقال الماورديّ والصّيمري من الشّافعيّة: يبالغ الصّائم في المضمضة دون الاستنشاق لأنّ المتمضمض متمكّن من ردّ الماء عن وصوله إلى جوفه , بطبق حلقه , ولا يمكن دفعه بالخيشوم .

وقال المالكيّة: إنّها مندوبة لغير الصّائم , وأمّا الصّائم فتكره له المبالغة لئلا يفسد صومه , وقال المالكيّة: فإن وقع ووصل إلى حلقه وجب عليه القضاء .

المضمضة في الصّوم:

8 -قال الحنفيّة: إن تمضمض الصّائم فدخل الماء جوفه فسد صومه إن كان ذاكرًا لصومه وعليه القضاء .

وقال المالكيّة: إن وصل لحلقه أو معدته شيء يغلب سبقه إلى حلقه من أثر ماء مضمضةٍ أو رطوبة سواكٍ أفطر وعليه القضاء في الفرض خاصّةً , وأمّا وصول أثر المضمضة للحلق في صوم النّفل فلا يفسد .

وقال الشّافعيّة: إن تمضمض الصّائم أو استنشق فسبق الماء إلى جوفه أو دماغه فثلاثة أقوالٍ: أصحها عند الأصحاب: إن بالغ أفطر وإلا فلا , والثّاني: يفطر مطلقًا , والثّالث: لا يفطر مطلقًا , والخلاف فيمن هو ذاكر للصّوم عالم بالتّحريم فإن كان ناسيًا أو جاهلًا لم يبطل بلا خلافٍ .

وقال الحنابلة: إن تمضمض الصّائم أو استنشق في الطّهارة فسبق الماء إلى حلقه من غير قصدٍ ولا إسرافٍ فلا شيء عليه , لأنّه وصل إلى حلقه من غير إسرافٍ ولا قصدٍ , فأمّا إن أسرف فزاد على الثّلاث أو بالغ فقد فعل مكروهًا لأنّه يتعرّض بذلك بإيصال الماء إلى حلقه , فإن وصل إلى حلقه فعلى وجهين أحدهما: يفطر , والثّاني: لا يفطر به لأنّه وصل من غير قصدٍ فأشبه غبار الدّقيق والحكم في المضمضة لغير الطّهارة كالحكم في المضمضة للطّهارة إن كانت لحاجة .

المضمضة بعد الطّعام:

9 -المضمضة مستحبّة بعد الفراغ من الطّعام , لما روى سويد بن النعمان رضي الله عنهما: « أنّه خرج مع النّبيّ صلى الله عليه وسلم عام خيبر حتّى إذا كانوا بالصّهباء - وهي أدنى خيبر - صلّى العصر ثمّ دعا بالأزواد فلم يؤت إلا بالسّويق فأمر به فثرّي - أي بلّ بالماء لما لحقه من اليبس - فأكل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وأكلنا ثمّ قام إلى المغرب فمضمض ومضمضنا ثمّ صلّى ولم يتوضّأ » .

وفي الحديث دليل على استحباب المضمضة بعد الطّعام , ففائدة المضمضة قبل الدخول في الصّلاة من أكل السّويق وإن كان لا دسم له أن تحتبس بقاياه بين الأسنان ونواحي الفم فيشغله تتبعه عن أحوال الصّلاة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت