فهرس الكتاب

الصفحة 346 من 2053

والثّاني: أنّ الغسل فرضٌ فلا يترك لكشف العورة . أمّا إن كانت امرأةٌ بين رجالٍ ، أو رجلٌ بين نساءٍ ، أو خنثى بين رجالٍ أو نساءٍ ، أو هما معًا ، فلا يجوز لهؤلاء الكشف عن عوراتهم للغسل ، بل يتيمّمون ، لكن شارح منية المصلّي لم يسلّم بهذا التّفصيل ؛ لأنّ ترك المنهيّ عنه مقدّمٌ على فعل المأمور ، وللغسل خلفٌ وهو التّيمّم . وعموم كلام الحنابلة ، في تحريم كشف العورة عند الاغتسال بحضور من يحرم نظره إليها ، يشعر بأنّهم يخالفون الحنفيّة . والّذي يؤخذ من كلام المالكيّة ، والشّافعيّة أنّه لو ترتّب على القيام بالطّهارة المائيّة كشف العورة ، فإنّه يصار إلى التّيمّم ؛ لأنّ ستر العورة لا بدل له ؛ ولأنّه واجبٌ للصّلاة والصّيانة عن العيون ، ويباح فعل المحظور من أجله ، كاستتار الرّجل بالحرير إذا تعيّن . أمّا الطّهارة المائيّة فلها بدلٌ ، ولا يباح فعل المحظور من أجلها ومن هنا كان السّلف والأئمّة الأربعة يتشدّدون في المنع من دخول الحمّام إلاّ بمئزرٍ . وروى ابن أبي شيبة في ذلك آثارًا عن عليّ بن أبي طالبٍ ومحمّد بن سيرين وأبي جعفرٍ محمّد بن عليٍّ وسعيد بن جبيرٍ ، حتّى بلغ الأمر بعمر بن الخطّاب أنّه كتب: لا يدخلنّ أحدٌ الحمّام إلاّ بمئزرٍ ، وبعمر بن عبد العزيز أن كتب إلى عامله بالبصرة أمّا بعد: فمر من قبلك ألاّ يدخلوا الحمّام إلاّ بمئزرٍ ، وأخذ يفرض العقوبات الرّادعة على من دخل الحمّام بغير مئزرٍ ، وعلى صاحب الحمّام الّذي أدخله . وعن عبادة قال: رأيت عمر بن عبد العزيز يضرب صاحب الحمّام ومن دخله بغير إزارٍ .

ب - استتار المغتسل بحضور الزّوجة:

9 -ممّا لا خلاف فيه أيضًا: أنّ لكلّ واحدٍ من الزّوجين أن يغتسل بحضور الآخر ، وهو بادي العورة . للحديث المتقدّم: « احفظ عورتك إلاّ من زوجتك ، أو ما ملكت يمينك » . ولحديث عائشة رضي الله عنها قالت: « كنت أغتسل أنا والنّبيّ صلى الله عليه وسلم من إناءٍ واحدٍ من قدحٍ ، يقال له: الفرق » ، متّفقٌ عليه .

استتار المغتسل منفردًا:

10 -ذهب الحنفيّة ، والمالكيّة ، والشّافعيّة ، والحنابلة إلى أنّه يجوز للمنفرد أن يغتسل عريانًا . واستدلّوا على ذلك بما رواه البخاريّ عن أبي هريرة عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم « قال: كانت بنو إسرائيل يغتسلون عراةً ، ينظر بعضهم إلى بعضٍ ، وكان موسى يغتسل وحده ، فقالوا: واللّه ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلاّ أنّه آدرّ - منفوخ الخصية - فذهب مرّةً يغتسل ، فوضع ثوبه على حجرٍ ، ففرّ الحجر بثوبه ، فخرج موسى في إثره يقول: ثوبي يا حجر ، حتّى نظر بنو إسرائيل إلى موسى فقالوا: واللّه ما بموسى من بأسٍ ، وأخذ ثوبه ، فطفق بالحجر ضربًا » . وعن أبي هريرة عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم « قال: بينا أيّوب يغتسل عريانًا فخرّ عليه جرادٌ من ذهبٍ ، فجعل أيّوب يحتشي في ثوبه ، فناداه ربّه: يا أيّوب ألم أكن أغنيتك عمّا ترى ؟ قال: بلى وعزّتك ، ولكن لا غنى بي عن بركتك » . فقد قصّ علينا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ذلك دون نكيرٍ ، فهو دليلٌ على الجواز ؛ لأنّ شرع من قبلنا شرعٌ لنا إذا لم يرد في شرعنا ما يخالفه . وسئل الإمام مالكٌ عن الغسل في الفضاء ، فقال: لا بأس به ، فقيل: يا أبا عبد اللّه إنّ فيه حديثًا ، فأنكر ذلك ، وقال تعجّبًا: لا يغتسل الرّجل في الفضاء ؟ ، وجه إجازة مالكٍ للرّجل أن يغتسل في الفضاء إذا أمن أن يمرّ به أحدٌ ، وأنّ الشّرع إنّما قرّر وجوب ستر العورة عن المخلوقين من بني آدم دون سواهم من الملائكة ، إذ لا يفارقه الحفظة الموكّلون به في حالٍ من الأحوال ، قال تعالى: { ما يلفظ من قولٍ إلاّ لديه رقيبٌ عتيدٌ } . وقال تعالى: { وإنّ عليكم لحافظين كرامًا كاتبين يعلمون ما تفعلون } : ولهذا قال مالكٌ تعجّبًا: لا يغتسل الرّجل في الفضاء ، إذ لا فرق في حقّ الملائكة بين الفضاء وغيره . ولكن هذا جوازٌ مقرونٌ بالكراهة التّنزيهيّة ، ولذلك يندب له الاستتار . لما رواه البخاريّ تعليقًا ، ووصله غيره ، عن معاوية بن حيدة ، عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنّه قال: « احفظ عورتك إلاّ من زوجتك أو ما ملكت يمينك . قلت: يا رسول اللّه فإن كان أحدنا خاليًا ؟ قال: فاللّه أحقّ أن يستحيا منه من النّاس » . وذهب عبد الرّحمن بن أبي ليلى إلى وجوب الاستتار حين الغسل ، ولو كان في خلوةٍ . مستدلاًّ بالحديث الّذي أخرجه أبو داود والنّسائيّ « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم رأى رجلًا يغتسل بالبراز - أي بالخلاء - فصعد المنبر فحمد اللّه وأثنى عليه وقال: إنّ اللّه عزّ وجلّ حليمٌ حييٌّ ستّيرٌ ، يحبّ الحياء والسّتر فإذا اغتسل أحدكم فليستتر » .

استتار المرأة المتزيّنة:

11 -يجب على المرأة الاستتار عن غير الزّوج والمحارم ، بستر عورتها وعدم إبداء زينتها ، لقوله تعالى: « يا أيّها النّبيّ قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهنّ من جلابيبهنّ » . وفيما يجب ستره عن المحارم وغيرهم ، وفي ستر الوجه والكفّين والقدمين خلافٌ وتفصيلٌ موطنه مصطلح: ( تزيّنٌ ) ( وعورةٌ ) .

الاستتار من عمل الفاحشة:

12 -من ابتلي بمعصيةٍ ، كشرب الخمر والزّنا ، فعليه أن يستتر بذلك ، ولا يجاهر بفعله السّيّئ ، كما ينبغي لمن علم بفاحشته أن يستر عليه وينصحه ، ويمنعه عن المنكر بالوسيلة الّتي يستطيعها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت