فهرس الكتاب

الصفحة 1008 من 2053

الأوّل: الحرج الحاليّ: وهو ما كانت مشقّته متحقّقةً في الحال ، كالشّروع في عبادةٍ شاقّةٍ في نفسها ، وكالحرج الحاصل للمريض باستعمال الماء ، أو الحاصل لغير المستطيع على الحجّ أو رمي الجمار بنفسه إن منعناه من الاستنابة .

الثّاني: الحرج الماليّ: وهو ما يلحق المكلّف بسبب الدّوام على فعلٍ لا حرج منه . كما كان من شأن عبد اللّه بن عمر وقال: » كنت أصوم الدّهر ، وأقرأ القرآن كلّ ليلةٍ فإمّا ذكرت للنّبيّ صلى الله عليه وسلم وإمّا أرسل إليّ فأتيته ، فقال لي: ألم أخبر أنّك تصوم الدّهر ، وتقرأ القرآن كلّ ليلةٍ ؟ فقلت: بلى يا رسول اللّه ، ولم أرد بذلك إلاّ الخير ، قال: فإنّ بحسبك أن تصوم من كلّ شهرٍ ثلاثة أيّامٍ فقلت: يا نبيّ اللّه إنّي أطيق أفضل من ذلك . قال: فإنّ لزوجك عليك حقًّا ، ولزورك عليك حقًّا ، ولجسدك عليك حقًّا . قال: فصم صوم داود نبيّ اللّه صلى الله عليه وسلم فإنّه كان أعبد النّاس ، قال: فقلت: يا نبيّ اللّه وما صوم داود ؟ قال: كان يصوم يومًا ويفطر يومًا . قال: واقرأ القرآن في كلّ شهرٍ قال: قلت: يا نبيّ اللّه إنّي أطيق أفضل من ذلك ، قال: فاقرأه في كلّ عشرين قال: فقلت: يا نبيّ اللّه إنّي أطيق أفضل من ذلك ، قال: فاقرأه في كلّ عشرٍ قال: قلت يا نبيّ اللّه إنّي أطيق أفضل من ذلك . قال: فاقرأه في كلّ سبعٍ ولا تزد على ذلك . فإنّ لزوجك عليك حقًّا ، ولزورك عليك حقًّا ، ولجسدك عليك حقًّا . قال: فشدّدت ، فشدّد اللّه عليّ ، قال: وقال لي النّبيّ صلى الله عليه وسلم: إنّك لا تدري لعلّك يطول بك عمر . قال: فصرت إلى الّذي قال لي النّبيّ صلى الله عليه وسلم . فلمّا كبرت وددت أنّي كنت قبلت رخصة نبيّ اللّه صلى الله عليه وسلم « .

قال الشّاطبيّ: إنّ دخول المشقّة وعدمه على المكلّف في الدّوام أو غيره ليس أمرًا منضبطًا بل هو إضافيّ مختلف بحسب اختلاف النّاس في قوّة أجسامهم أو في قوّة عزائمهم ، أو في قوّة يقينهم .

وينقسم الحرج من حيث القدرة على الانفكاك وعدمه إلى عامٍّ وخاصٍّ .

فالحرج العامّ هو الّذي لا قدرة للإنسان في الانفكاك عنه غالبًا كالتّغيّر اللاحق للماء بما لا ينفكّ عنه غالبًا ، كالتّراب والطّحلب وشبه ذلك .

والحرج الخاصّ هو ما كان في قدرة الإنسان الانفكاك عنه غالبًا ، كتغيّر الماء بالخلّ والزّعفران ونحوه .

7-هذا تقسيم الشّاطبيّ ، وهناك من يقسّم الحرج إلى عامٍّ وخاصٍّ من حيث شمول الحرج وعدمه .

فالعامّ ما كان عامًّا للنّاس كلّهم ، والخاصّ ما كان ببعض الأقطار ، أو بعض الأزمان ، أو بعض النّاس وما أشبه ذلك .

قال ابن العربيّ: إذا كان الحرج في نازلةٍ عامّةٍ في النّاس فإنّه يسقط ، وإذا كان خاصًّا لم يعتبر عندنا ، وفي بعض أصول الشّافعيّ اعتباره .

كما يمكن تقسيم الحرج إلى بدنيٍّ ونفسيٍّ .

فالبدنيّ: ما كان أثره واقعًا على البدن كوضوء المريض الّذي يضرّه الماء ، وصوم المريض ، وكبير السّنّ ، وترك المضطرّ أكل الميتة .

والنّفسيّ: ما كان أثره واقعًا على النّفس ، كالألم والضّيق بسبب معصيةٍ أو ذنبٍ صدر منه، وقد قال ابن عبّاسٍ في قوله تعالى { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } إنّما ذلك سعة الإسلام ما جعل اللّه من التّوبة والكفّارات .

شروط الحرج المرفوع:

8 -ليس كلّ حرجٍ مرفوعًا . بل هناك شروط لا بدّ من تحقّقها لاعتبار رفع الحرج وهي:

أ - أن يكون الحرج حقيقيًّا ، وهو ما له سبب معيّن واقع ، كالمرض والسّفر ، أو ما تحقّق بوجوده مشقّة خارجة عن المعتاد .

ومن ثمّ فلا اعتبار بالحرج التّوهّميّ ، وهو الّذي لم يوجد السّبب المرخّص لأجله ، إذ لا يصحّ أن يبنى حكم على سببٍ لم يوجد بعد ، كما أنّ الظّنون والتّقديرات غير المحقّقة راجعة إلى قسم التّوهّمات ، وهي مختلفة . وكذلك أهواء النّاس ، فإنّها تقدّر أشياء لا حقيقة لها .

فالصّواب أنّه لا اعتبار بالمشقّة والحرج حينئذٍ ، بناءً على أنّ التّوهّم غير صادقٍ في كثيرٍ من الأحوال .

ب - أن لا يعارض نصًّا .

فالمشقّة والحرج إنّما يعتبران في موضعٍ لا نصّ فيه ، وأمّا في حال مخالفة النّصّ فلا يعتدّ بهما .

وهناك تفصيل وخلاف يأتي في تعارض رفع الحرج مع النّصّ .

ج - أن يكون عامًّا .

قال ابن العربيّ: إذا كان الحرج في نازلةٍ عامّةٍ في النّاس فإنّه يسقط ، وإذا كان خاصًّا لم يعتبر عندنا ، وفي بعض أصول الشّافعيّ اعتباره ، وذلك يعرض في مسائل الخلاف .

وقد فسّر الشّاطبيّ الحرج العامّ بأنّه هو الّذي لا قدرة للإنسان على الانفكاك عنه ، كالتّغيّر اللاحق للماء بالتّراب والطّحلب ونحو ذلك ممّا لا ينفكّ عنه غالبًا ، والخاصّ هو ما يطّرد الانفكاك عنه من غير حرجٍ كتغيّر الماء بالخلّ والزّعفران ونحوه .

أسباب رفع الحرج:

9 -أسباب رفع الحرج هي السّفر ، والمرض ، والإكراه ، والنّسيان ، والجهل ، والعسر ، وعموم البلوى ، والنّقص ، وتفصيلها في مصطلح ( تيسير ) .

قال النّوويّ: ورخص السّفر ثمانية:

منها: ما يختصّ بالطّويل قطعًا وهو القصر ، والفطر ، والمسح أكثر من يومٍ وليلةٍ .

ومنها: ما لا يختصّ به قطعًا ، وهو ترك الجمعة ، وأكل الميتة .

ومنها: ما فيه خلاف ، والأصحّ اختصاصه به وهو الجمع .

ومنها: ما فيه خلاف ، والأصحّ عدم اختصاصه به ، وهو التّنفّل على الدّابّة ، وإسقاط الفرض بالتّيمّم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت