واستدرك ابن الوكيل رخصةً تاسعةً ، صرّح بها الغزاليّ وهي: ما إذا كان له نسوة وأراد السّفر ، فإنّه يقرع بينهنّ ، ويأخذ من خرجت لها القرعة ، ولا يلزمه القضاء لضرّاتها إذا رجع .
( ر: تيسير ) .
كيفيّة رفع الحرج:
رفع الحرج ابتداءً:
10 -لا يتعلّق التّكليف بما فيه الحرج ابتداءً فضلًا من اللّه سبحانه وتعالى ، ولذلك لم يجب شيء من الأحكام على الصّبيّ العاقل ، ولا على المعتوه البالغ ، ولم يجب قضاء الصّلاة في الحيض والنّفاس .
كما أنّ هناك الكثير من الأحكام والتّشريعات الّتي جاءت ابتداءً لرفع الحرج والمشقّة عن النّاس ، ولولاها لوقع النّاس فيهما .
ومنها مشروعيّة الخيار ، إذ إنّ البيع يقع غالبًا من غير تروٍّ ويحصل فيه النّدم فيشقّ على العاقد ، فسهّل الشّارع ذلك عليه بجواز الفسخ في مجلسه .
ومنها الرّدّ بالعيب والتّحالف والإقالة والحوالة والرّهن والضّمان والإبراء والقرض والشّركة والصّلح والحجر والوكالة والإجارة والمزارعة والمساقاة والمضاربة والعاريّة والوديعة للحرج والمشقّة العظيمة في أنّ كلّ واحدٍ لا ينتفع إلاّ بما هو ملكه ، ولا يستوفي إلاّ ممّن عليه حقّه ، ولا يأخذه إلاّ بكماله ، ولا يتعاطى أموره إلاّ بنفسه ، فسهل الأمر بإباحة الانتفاع بملك الغير بطريق الإجارة والإعارة والقرض ، وبالاستعانة بالغير وكالةً وإيداعًا وشركةً ومضاربةً ومساقاةً ، وبالاستيفاء من غير المديون حوالةً ، وبالتّوثيق على الدّين برهنٍ وكفيلٍ وضمانٍ وحجرٍ ، وبإسقاط بعض الدّين صلحًا أو كلّه إبراءً .
ومن تلك الأحكام الّتي جاءت لرفع الحرج والمشقّة أيضًا جواز العقود غير اللازمة ، لأنّ لزومها شاقّ فتكون سببًا لعدم تعاطيها ، ومنها لزوم العقود اللازمة ، وإلاّ لم يستقرّ بيع ولا غيره .
ومنها مشروعيّة الطّلاق لما في البقاء على الزّوجيّة من المشقّة والحرج عند التّنافر ، وكذا مشروعيّة الخلع والافتداء والرّجعة في العدّة قبل الثّلاث ، ولم يشرع دائمًا لما فيه من المشقّة على الزّوجة .
رفع الحرج عند تحقّق وجوده:
11 -قد يأتي الحرج والمشقّة في التّكاليف من أسبابٍ خارجيّةٍ ، إذ إنّ نفس التّكليف ليس فيه مشقّة وحرج بل فيه كلفة أي مشقّة معتادة ، وإنّما يأتي الحرج بسبب اقتران التّكليف بأمورٍ أخرى كالمرض والسّفر ، وللشّارع أنواع متعدّدة من التّخفيفات تناسب تلك المشاقّ وتكون تلك التّخفيفات بالإسقاط أو التّنقيص أو الإبدال أو التّقديم أو التّأخير أو التّرخيص أو التّغيير .
وتفصيل ذلك في مصطلح ( رخصة ) ومصطلح ( تيسير ) .
تعارض رفع الحرج مع النّصّ:
12 -النّصّ إمّا أن يكون قطعيًّا أو ظنّيًّا ، والظّنّيّ إمّا أن يشهد له أصل قطعيّ أو لا .
ولا خلاف بين الفقهاء في عدم اعتبار الحرج المعارض للنّصّ القطعيّ ، وكذا الظّنّيّ الرّاجع إلى أصلٍ قطعيٍّ ، فيجب حينئذٍ الأخذ بالنّصّ وترك الحرج .
ثمّ إنّ الفقهاء قد اختلفوا في الظّنّيّ المعارض لأصلٍ قطعيٍّ كرفع الحرج ، ولا يشهد له أصل قطعيّ .
فذهب جمهور الحنفيّة إلى الأخذ بالنّصّ وعدم اعتبار الحرج ، قال ابن نجيمٍ في الأشباه: المشقّة والحرج إنّما يعتبران في موضعٍ لا نصّ فيه ، وأمّا مع النّصّ بخلافه فلا ، ولذا قال أبو حنيفة ، ومحمّد: بحرمة رعي حشيش الحرم وقطعه إلاّ الإذخر لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: » إنّ هذا البلد حرّمه اللّه يوم خلق السّموات والأرض .. لا يعضد شوكه ، ولا ينفّر صيده ، ولا تلتقط لقطته إلاّ من عرّفها ، ولا يختلى خلاها « .
قال السّرخسيّ: وإنّما تعتبر البلوى في موضعٍ لا نصّ فيه بخلافه ، فأمّا مع وجود النّصّ فلا يعتدّ به .
وقال أبو يوسف: لا بأس بالرّعي ، لأنّ الّذين يدخلون الحرم للحجّ أو العمرة يكونون على الدّوابّ ولا يمكنهم منع الدّوابّ من رعي الحشيش ففي ذلك من الحرج ما لا يخفى فيرخّص فيه لدفع الحرج .
ونقل الشّاطبيّ عن ابن العربيّ قوله: إذا جاء خبر الواحد معارضًا لقاعدةٍ من قواعد الشّرع هل يجوز العمل به أم لا ؟
فقال أبو حنيفة: لا يجوز العمل به ، وقال الشّافعيّ يجوز ، وتردّد مالك في المسألة .
قال: ومشهور قوله والّذي عليه المعوّل أنّ الحديث إن عضّدته قاعدة أخرى قال به ، وإن كان وحده تركه .
قال الشّاطبيّ: ولقد اعتمده مالك بن أنسٍ في مواضع كثيرةٍ لصحّته في الاعتبار ، كإنكاره لحديث إكفاء القدور الّتي طبخت من الإبل والغنم قبل قسم الغنيمة ، تعويلًا على أصل رفع الحرج الّذي يعبّر عنه بالمصالح المرسلة ، فأجاز أكل الطّعام قبل القسم لمن احتاج إليه ، وإلى هذا المعنى أيضًا يرجع قوله في حديث خيار المجلس . حيث قال بعد ذكره:"وليس لهذا عندنا حدّ معروف ولا أمر معمول به فيه"إشارةً إلى أنّ المجلس مجهول المدّة ، ولو شرط أحد الخيار مدّةً مجهولةً لبطل إجماعًا ، فكيف يثبت بالشّرع حكم لا يجوز شرطًا بالشّرع ؟ فقد رجع إلى أصلٍ إجماعيٍّ ، وأيضًا فإنّ قاعدة الضّرر والجهالة قطعيّة ، وهي تعارض هذا الحديث الظّنّيّ .
قواعد الأدلّة الأصوليّة والقواعد الفقهيّة المراعى فيها رفع الحرج:
13 -لمّا كان رفع الحرج مقصدًا من مقاصد الشّريعة ، وأصلًا من أصولها ، فقد ظهر في كثيرٍ من الأدلّة الأصوليّة والقواعد الفقهيّة .
فمن الأدلّة الأصوليّة المراعى فيها رفع الحرج المصالح المرسلة .
قال الشّاطبيّ: إنّ حاصل المصالح المرسلة يرجع إلى حفظ أمرٍ ضروريٍّ ، ورفع حرجٍ لازمٍ في الدّين .