وفي صوم يوم عاشوراء يقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: « إنّي لأحتسب على اللّه أن يكفّر السّنة الّتي قبله » والمراد الصّغائر . حكاه في شرح مسلم عن العلماء ، فإن لم تكن الصّغائر رجي التّخفيف من الكبائر ، فإن لم تكن رفعت الدّرجات ، وقال صلى الله عليه وسلم: « من صام رمضان ، ثمّ أتبعه ستًّا من شوّال كان كصيام الدّهر » .
وقال الزّهريّ: في الاعتكاف تفريغ القلب عن أمور الدّنيا ، وتسليم النّفس إلى بارئها ، والتّحصّن بحصن حصين ، وملازمة بيت اللّه تعالى . وقال عطاء: مثل المعتكف كمثل رجل له حاجة إلى عظيم يجلس على بابه ، ويقول: لا أبرح حتّى تقضى حاجتي .
ومثل ذلك في غير العبادات . يقول اللّه تعالى: { مَنْ ذَا الَّذيْ يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضًَا حَسَنًَا فَيُضَاعِفَهُ لَه أَضْعَافًَا كَثِيرَةً } ، ويقول ابن عابدين: من محاسن العاريّة أنّها نيابة عن اللّه تعالى في إجابة المضطرّ ، لأنّها لا تكون إلّا لمحتاج كالقرض ، فلذا كانت الصّدقة بعشرة والقرض بثمانية عشر .
ب - الأنس بالعبادة والتّهيّؤ لها:
5 -قال ابن دقيق العيد: في تقديم النّوافل على الفرائض معنى لطيف مناسب ، لأنّ النّفوس لانشغالها بأسباب الدّنيا تكون بعيدة عن حالة الخشوع والخضوع والحضور ، الّتي هي روح العبادة ، فإذا قدّمت النّوافل على الفرائض أنست النّفوس بالعبادة ، وتكيّفت بحالة تقرّب من الخشوع .
ج - جبران الفرائض:
6 -قال ابن دقيق العيد: النّوافل الّتي بعد الفرائض هي لجبر النّقص الّذي قد يقع في الفرائض ، فإذا وقع نقص في الفرض ناسب أن يقع بعده ما يجبر الخلل الّذي قد يقع فيه . وفي الحديث: « فإن انتقص من فريضته شيء ، قال الرّبّ عزّ وجلّ: انظروا هل لعبدي من تطوّع ؟ فيكمل به ما انتقص من الفريضة » .
قال المناويّ في شرحه الكبير على الجامع عند قوله صلى الله عليه وسلم: « أوّل ما افترض اللّه على أمّتي الصّلاة ...» واعلم أنّ الحقّ سبحانه وتعالى لم يوجب شيئا من الفرائض غالبا إلا وجعل له من جنسه نافلة ، حتّى إذا قام العبد بذلك الواجب - وفيه خلل ما - يجبر بالنّافلة الّتي هي من جنسه ، فلذا أمر بالنّظر في فريضة العبد ، فإذا قام بها كما أمر اللّه جوزي عليها ، وأثبتت له ، وإن كان فيها خلل كمّلت من نافلته حتّى قال البعض: إنّما تثبت لك نافلة إذا سلمت لك الفريضة . ولذلك يقول القرطبيّ في شرح مسلم: من ترك التّطوّعات ولم يعمل بشيء منها فقد فوّت على نفسه ربحا عظيما وثوابا جسيما .
د - التّعاون بين النّاس وتوثيق الرّوابط بينهم واستجلاب محبّتهم:
7 -التّطوّع بأنواع البرّ والمعروف ينشر التّعاون بين النّاس ، ولذلك دعا اللّه إليه في قوله: { وَتَعَاوَنُوا على البِرِّ وَالتَّقْوَى } ، ويقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: « واللّه في عَوْنِ العبد ما دام العبد في عون أخيه » وفي فتح الباري عند قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم:
« اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا » . يقول ابن حجر: في الحديث الحضّ على الخير بالفعل ، وبالتّسبّب إليه بكلّ وجه ، والشّفاعة إلى الكبير في كشف كربة ومعونة ضعيف ، إذ ليس كلّ أحد يقدر على الوصول إلى الرّئيس . كذلك يقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: « تَهَادُوا تحابُّوا » .
أفضل التّطوّع:
8 -اختلف الفقهاء في أفضل التّطوّع ، فقيل: أفضل عبادات البدن الصّلاة .
ففرضها أفضل من فرض غيرها ، وتطوّعها أفضل من تطوّع غيرها ، لأنّها أعظم القربات ، لجمعها أنواعًا من العبادات لا تجمع في غيرها .
قال بهذا المالكيّة ، وهو المذهب عند الشّافعيّة ، ولهم قول آخر بتفضيل الصّيام .
قال صاحب المجموع: وليس المراد بقولهم: الصّلاة أفضل من الصّوم: أنّ صلاة ركعتين أفضل من صيام أيّام أو يوم ، فإنّ الصّوم أفضل من ركعتين بلا شكّ ، وإنّما معناه أنّ من لم يمكنه الجمع بين الاستكثار من الصّلاة والصّوم ، وأراد أن يستكثر من أحدهما ، أو يكون غالبا عليه ، منسوبا إلى الإكثار منه ، ويقتصر من الآخر على المتأكّد منه ، فهذا محلّ الخلاف والتّفصيل . والصّحيح تفضيل الصّلاة .
ويقول الحنابلة: إنّ أفضل تطوّعات البدن الجهاد لقوله تعالى: { فَضَّلَ اللّهُ المُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهمْ على القَاعِدينَ دَرَجَةً } ثمّ النّفقة فيه لقوله تعالى: { مَثَلُ الّذينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ } الآية .
ثمّ تعلّم العلم وتعليمه ، لحديث: « فضل العاِلمِ على العابِدِ كفضلي على أدناكم » .
ثمّ الصّلاة أفضل بعد ذلك ، للإخبار بأنّها أحبّ الأعمال إلى اللّه ، ومداومته صلى الله عليه وسلم على نفلها . ونصّ الإمام أحمد على أنّ الطّواف لغريب أفضل منها ، أي من الصّلاة بالمسجد الحرام ، لأنّه خاصّ به يفوت بمفارقته بخلاف الصّلاة ، فالاشتغال بمفضول يختصّ بقعة أو زمنا أفضل من فاضل لا يختصّ ، واختار عزّ الدّين بن عبد السّلام تبعًا للغزاليّ في الإحياء: أنّ أفضل الطّاعات على قدر المصالح النّاشئة عنها .
9 -ويتفاوت ما يتعدّى نفعه في الفضل ، فصدقة على قريب محتاج أفضل من عتق أجنبيّ ، لأنّها صدقة وصلة ونحو ذلك .