وفي المنثور في القواعد للزّركشيّ: لو ملك عقارًا ، وأراد الخروج عنه ، فهل الأولى الصّدقة به حالا ، أم وقفه ؟ قال ابن عبد السّلام: إن كان ذلك في وقت شدّة وحاجة فتعجيل الصّدقة أفضل ، وإن لم يكن كذلك ففيه وقفة ، ولعلّ الوقف أولى ، لكثرة جدواه . وأطلق ابن الرّفعة تقديم صدقة التّطوّع به ، لما فيه من قطع حظّ النّفس في الحال بخلاف الوقف . وفي المنثور أيضًا: مراتب القرب تتفاوت ، فالقربة في الهبة أتمّ منها في القرض ، وفي الوقف أتمّ منها في الهبة ، لأنّ نفعه دائم يتكرّر ، والصّدقة أتمّ من الكلّ ، لأنّ قطع حظّه من المتصدّق به في الحال . وقيل: إنّ القرض أفضل من الصّدقة .
لأنّ « رسول اللّه رأى ليلة أسري به مكتوبًا على باب الجنّة: درهم القرض بثمانية عشر ، ودرهم الصّدقة بعشر ، فسأل جبريل: ما بال القرض أفضل من الصّدقة: فقال: لأنّ السّائل يسأل وعنده ، والمقترض لا يقترض إلا من حاجة » .
وتكسّب ما زاد على قدر الكفاية - لمواساة الفقير أو مجازاة القريب - أفضل من التّخلّي لنفل العبادة ، لأنّ منفعة النّفل تخصّه ، ومنفعة الكسب له ولغيره ، فقد قال عليه الصلاة والسلام: « خير النّاس أنفعهم للنّاس »
وعن عمر بن الخطّاب قال:"إنّ الأعمال تتباهى ، فتقول الصّدقة: أنا أفضلكم".
وفي الأشباه لابن نجيم: بناء الرّباط بحيث ينتفع به المسلمون ، أفضل من الحجّة الثّانية .
الحكم التّكليفيّ:
10 -الأصل في التّطوّع أنّه مندوب . سواء أكان ذلك في العبادات من صلاة وصيام . . . أم كان في غيرها من أنواع البرّ والمعروف ، كالإعارة والوقف والوصيّة وأنواع الإرفاق . والدّليل على ذلك من الكتاب آيات منها: قوله تعالى: { وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى } ، وقوله تعالى: { مَنْ ذَا الّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضًَا حَسَنًَا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًَا كَثِيرَةً } .
ومن السّنّة قوله صلى الله عليه وسلم: « من صلّى ثنتي عشرة ركعة في يوم وليلة بُنِيَ له بهنّ بيت في الجنّة »
قوله: « من صام رمضان ثمّ أتبعه ستًّا من شوّال كان كصيام الدّهر » وقوله: « اتّقوا النّار ولو بشقّ تمرة » وقوله: « لا يمنع أحدُكم جارَه أن يَغْرِزَ خشبه في جداره » .
وقد يعرض له الوجوب ، كبذل الطّعام للمضطرّ ، وكإعارة ما يستغنى عنه لمن يخشى هلاكه بعدمها ، وكإعارة الحبل لإنقاذ غريق .
وقد يكون حرامًا ، كالعبادة الّتي تقع في الأوقات المحرّمة كالصّلاة وقت طلوع الشّمس أو غروبها ، وكصيام يومي العيد ، وأيّام التّشريق ، وكتصدّق المدين مع حلول دينه والمطالبة به ، وعدم وجود ما يسدّد به دينه .
وقد يكون مكروهًا ، كوقوع الصّلاة في الأوقات المكروهة ، كما أنّه يكره ترك التّسوية في العطيّة لأولاده .
أهليّة التّطوّع:
11 -التّطوّع يكون في العبادات وغيرها ،
أمّا العبادات فإنّه يشترط في المتطوّع بها ما يلي:
أ - أن يكون مسلما ، فلا يصحّ التّطوّع بالعبادات من الكافر ، لأنّه ليس من أهل العبادة .
ب - أن يكون عاقلا ، فلا تصحّ العبادة من المجنون ، لعدم صحّة نيّته . وهذا في غير الحجّ ، لأنّه في الحجّ يحرم عنه وليّه ، وكذلك يحرم الوليّ عن الصّبيّ غير المميّز .
ج - التّمييز ، فلا يصحّ التّطوّع من غير المميّز ، ولا يشترط البلوغ ، لأنّ تطوّع الصّبيّ بالعبادات صحيح .
وأمّا بالنّسبة لغير العبادات: فإنّ الشّرط هو أهليّة التّبرّع من عقل وبلوغ ورشد ، فلا يصحّ تبرّع محجور عليه لصغر أو سفه أو دين أو غير ذلك . وتفصيل هذا ينظر في ( أهليّة ) .
أحكام التّطوّع:
12 -أحكام التّطوّع منها ما يخصّ العبادات ، ومنها ما يشمل العبادات وغيرها ، ومنها ما يخصّ غير العبادات ، وبيان ذلك فيما يأتي:
أوّلًا ما يخصّ العبادات:
أ - ما تسنّ له الجماعة من صلاة التّطوّع:
13 -تسنّ الجماعة لصلاة الكسوف باتّفاق بين المذاهب ، وتسنّ للتّراويح عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة . وهي مندوبة عند المالكيّة ، إذ الأفضل الانفراد بها - بعيدا عن الرّياء - إن لم تعطّل المساجد عن فعلها فيها . وتسنّ الجماعة كذلك لصلاة الاستسقاء عند المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ، أمّا عند الحنفيّة فتصلّى جماعة وفرادى عند محمّد ، ولا تصلّى إلّا فرادى عند أبي حنيفة . وتسنّ الجماعة لصلاة العيدين عند المالكيّة والشّافعيّة . أمّا عند الحنفيّة والحنابلة فالجماعة فيها واجبة . ويسنّ الوتر جماعة عند الحنابلة .
وبقيّة التّطوّعات تجوز جماعة وفرادى عند الشّافعيّة والحنابلة ، وتكره جماعة عند الحنفيّة إذا كانت على سبيل التّداعي ، وعند المالكيّة الجماعة في الشّفع والوتر سنّة والفجر خلاف الأولى . أمّا غير ذلك فيجوز فعله جماعة ، إلا أن تكثر الجماعة أو يشتهر المكان فتكره الجماعة حذر الرّياء . والتّفصيل ينظر في ( صلاة الجماعة - نفل ) .
مكان صلاة التّطوّع:
14 -صلاة التّطوّع في البيوت أفضل ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: « صلّوا أيّها النّاس في بيوتكم ، فإنّ أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة » ويستثنى من ذلك ما شرعت له الجماعة ، ففعله في المسجد أفضل ، ويستثنى كذلك عند المالكيّة صلاة الرّواتب مع الفرائض ، فيندب فعلها في المسجد ، كما أنّ تحيّة المسجد تصلّى في المسجد . ويستحبّ للمصلّي عند الجمهور أن يتنفّل في غير المكان الّذي صلّى فيه المكتوبة .