فهرس الكتاب

الصفحة 636 من 2053

وقال الكاسانيّ من الحنفيّة: يكره للإمام أن يصلّي شيئا من السّنن في المكان الّذي صلّى فيه المكتوبة ، لما روي عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال: « أيعجز أحدُكم إذا صلّى أن يتقدّمَ أو يتأخّر » ، ولا يكره ذلك للمأموم ، لأنّ الكراهة في حقّ الإمام للاشتباه ، وهذا لا يوجد في حقّ المأموم ، لكن يستحبّ له أن يتنحّى أيضًا ، حتّى تنكسر الصّفوف ، ويزول الاشتباه على الدّاخل من كلّ وجه .

وقال ابن قدامة: قال أحمد: لا يتطوّع الإمام في مكانه الّذي صلّى فيه المكتوبة . كذا قال عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه . قال أحمد: ومن صلّى وراء الإمام فلا بأس أن يتطوّع مكانه ، فعل ذلك ابن عمر رضي الله عنهما . وبهذا قال إسحاق ، وروى أبو بكر حديث عليّ بإسناده . وبإسناده عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه: « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: لا يتطوّع الإمام في مقامه الّذي يصلّي فيه المكتوبة » .

صلاة التّطوّع على الدّابّة:

15 -يجوز باتّفاق المذاهب صلاة التّطوّع على الدّابّة في السّفر .

قال ابن قدامة: لا نعلم خلافًا بين أهل العلم في إباحة التّطوّع على الرّاحلة في السّفر الطّويل قال التّرمذيّ: هذا عند عامّة أهل العلم ،

وقال ابن عبد البرّ: أجمعوا على أنّه جائز لكلّ من سافر سفرًا يقصر فيه الصّلاة أن يتطوّع على دابّته حيثما توجّهت ، يومئ بالرّكوع والسّجود ، ويجعل السّجود أخفض من الرّكوع .

ويجوز عند الحنابلة التّطوّع على الرّاحلة في السّفر القصير أيضا ، لقوله تعالى: { وَلِلّهِ المَشْرِقُ وَالمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ } ، قال ابن عمر رضي الله عنهما: نزلت هذه الآية في التّطوّع خاصّة حيث توجّه به بعيرك .

وهذا يتناول بإطلاقه محلّ النّزاع ، وعن ابن عمر رضي الله عنهما « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كان يوتر على بعيره » ، وفي رواية: « كان يسبّح على ظهر راحلته حيث كان وجهه ، يومئ برأسه » وكان ابن عمر يفعله . وللبخاريّ: « إلا الفرائض » ولمسلم وأبي داود: « غير أنّه لا يصلّي عليها المكتوبة » ولم يفرّق بين قصير السّفر وطويله ، ولأنّ إباحة الصّلاة على الرّاحلة تخفيف في التّطوّع ، كي لا يؤدّي إلى قطعها وتقليلها .

والوتر واجب عند الحنفيّة ، ولهذا لا يؤدّى على الرّاحلة عند القدرة على النّزول . كذلك روى الحسن عن أبي حنيفة أنّ من صلّى ركعتي الفجر على الدّابّة من غير عذر وهو يقدر على النّزول لا يجوز ، لاختصاص ركعتي الفجر بزيادة توكيد وترغيب بتحصيلها وترهيب وتحذير على تركها ، فالتحقت بالواجبات كالوتر . وينظر تفصيل ذلك في: ( نفل - نافلة ) .

صلاة التّطوّع قاعدًا:

16 -تجوز صلاة التّطوّع من قعود باتّفاق بين المذاهب .

قال ابن قدامة: لا نعلم خلافًا في إباحة التّطوّع جالسًا ، وأنّه في القيام أفضل ، وقد قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: « من صلّى قائما فهو أفضل ، ومن صلّى قاعدا فله نصف أجر القائم » ولأنّ كثيرًا من النّاس يشقّ عليه القيام ، فلو وجب في التّطوّع لترك أكثره ، فسامح الشّارع في ترك القيام فيه ترغيبا في تكثيره .

الفصل بين الصّلاة المفروضة وصلاة التّطوّع:

17 -يستحبّ أن يفصل المصلّي بين الصّلاة المفروضة وصلاة التّطوّع بعدها بالأذكار الواردة ، كالتّسبيح والتّحميد والتّكبير ، وهذا عند الجمهور . وعند الحنفيّة يكره الفصل بين المكتوبة والسّنّة ، بل يشتغل بالسّنّة . وللتّفصيل: ( ر: نفل ) .

قضاء التّطوّع:

18 -إذا فات التّطوّع - سواء المطلق ، أو المقيّد بسبب أو وقت - فعند الحنفيّة والمالكيّة لا يقضى سوى ركعتي الفجر ، لما روت أمّ سلمة رضي الله عنها قالت: « صلّى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم العصر ثمّ دخل بيتي فصلّى ركعتين ، فقلت: يا رسول اللّه ، صلّيتَ صلاة لم تكن تصلّيها فقال: قدم عليَّ مالٌ فشغلني عن الرّكعتين كنت أركعهما بعد الظّهر ، فصلّيتهما الآن . فقلت: يا رسول اللّه أفنقضيهما إذا فاتتا ؟ قال: لا » .

وهذا نصّ على أنّ القضاء غير واجب على الأمّة ، وإنّما هو شيء اختصّ به النّبيّ صلى الله عليه وسلم ولا شركة لنا في خصائصه . وقياس هذا الحديث أنّه لا يجب قضاء ركعتي الفجر أصلا ، إلا أنّا استحسنّا القضاء إذا فاتتا مع الفرض ، لأنّ « النّبيّ صلى الله عليه وسلم فعلهما مع الفرض ليلة التّعريس » فنحن نفعل ذلك لنكون على طريقته .

وهذا بخلاف الوتر ، لأنّه واجب عند الحنفيّة ، والواجب ملحق بالفرض في حقّ العمل .

وقال النّوويّ من الشّافعيّة: لو فات النّفل المؤقّت"كصلاة العيد والضّحى"ندب قضاؤه في الأظهر ، لحديث الصّحيحين: « من نسي صلاةً أو نام عنها فكفّارتُها أن يصلّيها إذا ذكرها » ولأنّ « النّبيّ صلى الله عليه وسلم قضى ركعتي الفجر لمّا نام في الوادي عن صلاة الصّبح إلى أن طلعت الشّمس » . وفي مسلم نحوه .

« وقضى ركعتي سنّة الظّهر المتأخّرة بعد العصر » ، ولأنّها صلاة مؤقّتة فقضيت كالفرائض ، وسواء السّفر والحضر ، كما صرّح به ابن المقري .

والثّاني: لا يقضى كغير المؤقّت .

والثّالث: إن لم يتبع غيره كالضّحى قضي ، لشبهه بالفرض في الاستقلال ، وإن تبع غيره كالرّواتب فلا . قال الخطيب الشّربينيّ في شرح المنهاج: قضيّة كلامه - أي النّوويّ - أنّ المؤقّت يقضي أبدا وهو الأظهر ، والثّاني: يقضي فائتة النّهار ما لم تضرب شمسه ، وفائتة اللّيل ما لم يطلع فجره . والثّالث: يقضي ما لم يصلّ الفرض الّذي بعده .

وخرج بالمؤقّت ما له سبب كالتّحيّة والكسوف فإنّه لا مدخل للقضاء فيه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت