كما يستدل على ذلك بما ثبت أيضًا من مشروعيّة الرخص , وهو أمر مقطوع به وممّا علم منه دين الأمّة بالضّرورة: كرخص السّفر , والفطر , والجمع , وتناول المحرّمات في الاضطرار , فإنّ هذا نمط يدل قطعًا على مطلق رفع الحرج والمشقّة , وكذلك بما جاء في النّهي عن التّعمق والتّكلف والتّسبب في الانقطاع عن دوام الأعمال , ولو كان الشّارع قاصدًا للمشقّة في التّكليف لما كان ثمّ ترخيصٌ ولا تخفيف وهو يدل على عدم قصد الشّارع إليه , فإنّه لا ينازع في أنّ الشّارع قاصد للتّكليف بما يلزم فيه كلفة ومشقّة ما , ولكن لا تسمّى في العادة المستمرّة مشقّةً كما لا يسمّى في العادة مشقّةً طلب المعاش بالتّحرف وسائر الصّنائع, لأنّه ممكن معتاد لا يقطع ما فيه من الكلفة عن العمل في الغالب المعتاد , وإلى هذا المعنى يرجع الفرق بين المشقّة الّتي لا تعد مشقّةً عادةً , والّتي تعد مشقّةً , وهو أنّه إن كان العمل يؤدّي الدّوام عليه إلى الانقطاع عنه أو عن بعضه وإلى وقوع خلل في صاحبه في نفسه أو مال , أو حال من أحواله فالمشقّة هنا خارجة عن المعتاد , وإن لم يكن فيها شيء من ذلك في الغالب فلا يعد في العادة مشقّةً وإن سمّيت كلفةً .
فما تضمّن التّكليف الثّابت على العباد من المشقّة المعتادة أيضًا ليس بمقصود الطّلب للشّارع من جهة نفس المشقّة , بل من جهة ما في ذلك من المصالح العائدة على المكلّف .
الوجه الثّالث: الزّيادة في الفعل على ما جرت به العادة:
9 -وهو إذا كان الفعل خاصًّا بالمقدور عليه , وليس فيه من التّأثير في تعب النّفس خروج عن المعتاد في الأعمال العاديّة , ولكن نفس التّكليف به زيادة على ما جرت به العادات قبل التّكليف شاقٌ على النّفس , ولذلك أطلق عليه لفظ التّكليف , وهو في اللغة يقتضي معنى المشقّة لأنّ العرب تقول: كلّفته تكليفًا إذا حمّلته أمرًا يشقّ عليه وأمرته به , وتكلّفت الشّيء: إذا تحمّلته على مشقّة , وحملت الشّيء تكلّفته: إذا لم تطقه إلّا تكلفًا , فمثل هذا يسمّى مشقّةً بهذا الاعتبار , لأنّه إلقاء بالمقاليد ودخول أعمال زائدة على ما اقتضته حياة الدنيا .
الوجه الرّابع: أن يكون ملزمًا بما قبله:
10 -وهو أن يكون التّكليف خاصًّا بما يلزم ما قبله , فإنّ التّكليف إخراج المكلّف عن هوى نفسه , ومخالفة الهوى شاقّة على صاحب الهوى مطلقًا , ويلحق الإنسان بسببها تعب وعناء , وذلك معلوم في العادات الجارية في الخلق , وذلك أنّ مخالفة ما تهوى الأنفس شاق عليها , والشّارع إنّما قصد بوضع شريعة إخراج المكلّف عن اتّباع هواه حتّى يكون عبدًا للّه , فإذًا مخالفة الهوى ليست من المشقّات المعتبرة في التّكليف .
ثانيًا: القواعد الفقهيّة المنظّمة لأحكام المشقّة:
11 -وضع الفقهاء مجموعةً من القواعد الفقهيّة لضبط أحكام المشقّة , ومن هذه القواعد"المشقّة تجلب التّيسير"يعني أنّ الصعوبة تصير سببًا للتّسهيل , ويلزم التّوسيع في وقت المضايقة .
ويتفرّع على هذا الأصل كثير من الأحكام الفقهيّة كالقرض والحوالة والحجر وغير ذلك , وما جوّزه الفقهاء من الرخص والتّخفيفات في الأحكام الشّرعيّة مستنبط من هذه القاعدة: وتعتبر المشقّة سببًا هامًا من أسباب الرخص , وهي تختلف بالقوّة والضّعف , بحسب الأحوال , وبحسب قوّة العزائم وضعفها , وبحسب الأعمال , فليس للمشقّة المعتبرة في التّخفيفات ضابط مخصوصٌ , ولا حد محدود يطّرد في جميع النّاس , ولذلك أقام الشّرع السّبب مقام العلّة واعتبر السّفر لأنّه أقرب مظَانّ وجود المشقّة .. وليست أسباب الرخص بداخلة تحت قانون أصليٍّ , ولا ضابطٍ مأخوذ باليد , بل هي إضافيّة بالنّسبة إلى كلّ مخاطب في نفسه .
والأصل في هذه القاعدة قوله تعالى: { يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ } .
وقوله تعالى: { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } , وقوله صلّى اللّه عليه وسلّم:
« بعثت بالحنيفيّة السّمحاء » , وفي لفظ آخر: « أحب الأديان إلى اللّه الحنيفيّة السّمحة » . وروى أبو هريرة رضي اللّه عنه وغيره قوله صلّى اللّه عليه وسلّم: « إنّما بعثتم ميسّرين ولم تبعثوا معسّرين » .
وقالت عائشة رضي اللّه عنها: « ما خيّر رسول اللّه بين أمرين إلّا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا » .
ويتخرّج على هذه القاعدة جميع رخص الشّرع وتخفيفاته .
هذا وقد خرج عن هذه القاعدة ما نصّ عليه وإن كان فيه مشقّة وعمّت به البلوى , قال ابن نجيم: المشقّة والحرج إنّما يعتبران في موضع لا نصّ فيه وأمّا مع النّصّ بخلافه فلا . وبمعنى قاعدة: المشقّة تجلب التّيسير قول الشّافعيّ رحمه اللّه:"إذا ضاق الأمر اتّسع"ومعناها: إذا ظهرت مشقّة في أمر يرخّص فيه ويوسّع , فعكس هذه القاعدة"إذا اتّسع الأمر ضاق", ومن فروع هذه القاعدة شهادة النّساء والصّبيان في الحمّامات والمواضع الّتي لا يحضرها الرّجال دفعًا لحرج ضياع الحقوق .
ومنها قبول شهادة القابلة
المشاقّ الموجبة للتّخفيفات الشّرعيّة:
قال العز بن عبد السّلام: المشاقّ ضربان: