فهرس الكتاب

الصفحة 1810 من 2053

12 -أحدهما: مشقّة لا تنفك العبادة عنها كمشقّة الوضوء والغسل في شدّة البرد , وكمشقّة إقامة الصّلاة في الحرّ والبرد ولا سيّما في صلاة الفجر , وكمشقّة الصّوم في شدّة الحرّ وطول النّهار , وكمشقّة السّفر والحجّ والجهاد الّتي لا انفكاك عنها غالبًا , وكمشقّة الاجتهاد في طلب العلم والرّحلة فيه , وكذلك المشقّة في رجم الزناة وإقامة الحدود على الجناة ولا سيّما في حقّ الآباء والأمّهات والبنين والبنات , فإنّ في ذلك مشقّةً عظيمةً على مقيم هذه العقوبات بما يجده من الرّقّة والمرحمة بها للسرّاق والزناة والجناة من الأجانب والأقارب البنين والبنات , ولمثل هذا قال تعالى: « ولا تأخذكم بهما رأفة في دين اللّه » , وقال عليه الصّلاة والسّلام: « لو أنّ فاطمة بنت محمّد سرقت لقطعت يدها » وهو صلّى اللّه عليه وسلّم أولى بتحمل هذه المشاقّ من غيره ; لأنّ اللّه سبحانه وتعالى وصفه في كتابه العزيز بقوله: { بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ } فهذه المشاقّ كلها لا أثر لها في إسقاط العبادات والطّاعات .

13 -الضّرب الثّاني: مشقّة تنفك عنها العبادات غالبًا وهي أنواع:

النّوع الأوّل: مشقّة عظيمة فادحة كمشقّة الخوف على النّفوس والأطراف ومنافع الأطراف, فهذه مشقّة موجبة للتّخفيف والتّرخيص لأنّ حفظ المهج والأطراف لإقامة مصالح الدّارين أولى من تعريضها للفوات في عبادة أو عبادات ثمّ تفوت أمثالها .

النّوع الثّاني: مشقّة خفيفة كأدنى وجع في إصبع أو أدنى صداع أو سوء مزاج خفيف , فهذا لا أثر له ولا التفات إليه لأنّ تحصيل مصالح العبادة أولى من دفع هذه المشقّة الّتي لا أثر لها .

النّوع الثّالث: مشاقّ واقعة بين هاتين المشقّتين مختلفة في الخفّة والشّدّة فما دنا منها من المشقّة العليا أوجب التّخفيف , وما دنا منها من المشقّة الدنيا لم يوجب التّخفيف .

كمريض في رمضان يخاف من الصّوم زيادة مرض أو بطءَ البرء , فيجوز له الفطر , وهكذا في المرض المبيح للتّيمم والحمّى الخفيفة ووجع الضروس اليسير وما وقع بين هاتين الرتبتين مختلف فيه , منهم من يلحقه بالعليا ومنهم من يلحقه بالدنيا , وتضبط مشقّة كلّ عبادة بأدنى المشاقّ المعتبرة في تخفيف تلك العبادة فإن كانت مثلها أو أزيد ثبتت الرخصة ولذلك أعتبر في مشقّة المرض المبيح للفطر في الصّوم أن يكون كزيادة مشقّة الصّوم في السّفر عليه في الحضر .

وكذلك المشاقّ في الحجّ وفي إباحة محظورات الإحرام: أن يحصل بتركها مثل مشقّة القمل الوارد فيه الرخصة , وأمّا أصل الحجّ فلا يكتفى بتركه بذلك , بل لا بدّ من مشقّة لا يحتمل مثلها كالخوف على النّفس والمال , وعدم الزّاد والرّاحلة , وفي إباحة ترك القيام إلى القعود: أن يحصل به ما يشوّش الخشوع وإلى الاضطجاع أشقّ , لأنّه مناف لتعظيم العبادات . والمشاقّ في الحجّ ثلاثة أقسام: منها ما يعظم فيمنع وجوب الحجّ , ومنها ما يخف ولا يمنع الوجوب , ومنها ما يتوسّط فيردّد فيه , وما قرب منه إلى المشقّة العليا كان أولى بمنع الوجوب , وما قرب منه إلى المشقّة الدنيا كان أولى بأن لا يمنع الوجوب .

وتختلف المشاقّ باختلاف العبادات في اهتمام الشّرع , فما اشتدّ اهتمامه به شرط في تخفيفه المشاقّ الشّديدة أو العامّة , وما لم يهتمّ به خفّفه بالمشاقّ الخفيفة , وقد تخفّف مشاقّه مع شرفه وعلوّ مرتبته لتكرر مشاقّه , كيلا يؤدّي إلى المشاقّ العامّة الكثيرة الوقوع. مثاله: ترخيص الشّرع في الصّلاة الّتي هي من أفضل الأعمال تقام مع الخبث الّذي يشقّ الاحتراز منه ومع الحدث في حقّ المتيمّم والمستحاضة , ومن كان عذره كعذر المستحاضة. أمّا الصّلاة فينتقل فيها القائم إلى القعود بالمرض الّذي يشوّش عليه الخشوع والأذكار , ولا يشترط فيها الضّرورة ولا العجز عن تصوير القيام اتّفاقًا , ويشترط في الانتقال من القعود إلى الاضطجاع عذرًا أشقّ من عذر الانتقال من القيام إلى القعود , لأنّ الاضطجاع مناف لتعظيم العبادات ولا سيّما والمصلّي مناج ربّه .

وأمّا الأعذار في ترك الجماعات والجمعات فخفيفة , لأنّ الجماعات سنّة عند من يقول بذلك, والجمعات بدل .

وأمّا الصّوم فالأعذار فيه خفيفة كالسّفر والمرض الّذي يشقّ الصّوم معه لمشقّة الصّوم على المسافر , وهذان عذران خفيفان , وما كان أشدّ منهما كالخوف على الأطراف والأرواح كان أولى بجواز الفطر .

وأمّا التّيمم: فقد جوّزه الشّافعي رحمه اللّه تارةً بأعذار خفيفة , ومنعه تارةً على قول بأعذار أثقل منها , والأعذار عنده رتب متفاوتة في المشقّة .

الرتبة الأولى: مشقّة فادحة كالخوف على النّفوس والأعضاء , ومنافع الأعضاء فيباح بها التّيمم .

الرتبة الثّانية: مشقّة دون هذه المشقّة في الرتبة كالخوف من حدوث المرض المخوف فهذا ملحق بالرتبة العليا على الأصحّ .

الرتبة الثّالثة: خوف إبطاء البرء وشدّة الضّنى ففي إلحاقه بالرتبة الثّانية خلاف والأصح الإلحاق .

الرتبة الرّابعة: خوف الشّين إن كان باطنًا لم يكن عذرًا , وإن كان ظاهرًا ففيه خلاف والمختار الإباحة , وقد جوّز الشّافعي التّيمم بمشاقّ خفيفة دون هذه المشاقّ .

14 -ولا تختص المشاقّ بالعبادات بل تجري في المعاملات مثاله: الغرر في البيوع وهو أيضًا ثلاثة أقسام:

أحدها: ما يعسر اجتنابه كبيع الفستق والبندق والرمّان والبطّيخ في قشورها فيعفى عنه . القسم الثّاني: ما لا يعسر اجتنابه فلا يعفى عنه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت