القسم الثّالث: ما يقع بين الرتبتين وفيه اختلاف , منهم من يلحقه بما عظمت مشقّته لارتفاعه عمّا خفّت مشقّته , ومنهم من يلحقه بما خفّت مشقّته لانحطاطه عمّا عظمت مشقّته , إلّا أنّه تارةً يعظم الغرر فيه فلا يعفى عنه على الأصحّ كبيع الجوز الأخضر في قشرته . 15 - وإذا كانت المشاقّ تنقسم إلى ما هو في أعلى مراتب الشّدّة وإلى ما هو في أدناها , وإلى ما يتوسّط بينهما , فكيف تعرف المشاقّ المتوسّطة المبيحة الّتي لا ضابط لها , مع أنّ الشّرع قد ربط التّخفيفات بالشّديد والأشدّ والشّاقّ والأشقّ , مع أنّ معرفة الشّديد والشّاقّ متعذّرة لعدم الضّابط ؟ وأجاب العز بن عبد السّلام بقوله: لا وجه لضبط هذا وأمثاله إلّا بالتّقريب , فإنّ ما لا يحد ضابطه لا يجوز تعطيله ويجب تقريبه , فالأولى في ضابط مشاقّ العبادات أن تضبط مشقّة كلّ عبادة بأدنى المشاقّ المعتبرة في تلك العبادة , فإن كانت مثلها أو أزيد ثبتت الرخصة بها , ولن يعلم التّماثل إلّا بالزّيادة , إذ ليس في قدرة البشر الوقوف على تساوي المشاقّ , فإذا زادت إحدى المشقّتين على الأخرى علما أنّهما قد استوتا , فما اشتملت عليه المشقّة الدنيا منهما كان ثبوت التّخفيف والتّرخيص بسبب الزّيادة , وأمثال ذلك أنّ التّأذّي بالقمل مبيح للحلق في حقّ النّاسك فينبغي أن يعتبر تأذّيه بالأمراض بمثل مشقّة القمل .
كذلك سائر المشاقّ المبيحة للبس والطّيب والدهن وغير ذلك من المحظورات , وكذلك ينبغي أن تقرّب المشاقّ المبيحة للتّيمم بأدنى مشقّة أبيح بمثلها التّيمم , وفي هذا إشكال , فإنّ مشقّة الزّيادة اليسيرة على ثمن المثل ومشقّة الانقطاع من سفر النزهة خفيفة لا ينبغي أن يعتبر بها الأمراض , وأمّا المبيح للفطر فينبغي أن تقرّب مشقّته بمشقّة الصّيام في الحضر , فإذا شقّ الصّوم مشقّةً تربي على مشقّة الصّوم في الحضر فليجز الإفطار بذلك .
ولهذا نظائر كثيرة: منها مقادير الإغرار في المعاملات , ومنها توقان الجائع إلى الطّعام وقد حضرت الصّلاة , ومنها التّأذّي بالرّياح الباردة في اللّيلة المظلمة , كذلك التّأذّي بالمشي في الوحل .
ضابط المشقّة:
16 -يشترط أن تكون المشقّة عامّةً , ووقوعها كثيرًا , فلو كان وقوعها نادرًا لم تراع المشقّة , والمشقّة يختلف ضابطها باختلاف أعذارها , كما في التّيمم , إذ يعدل عن الماء إذا خيف إتلاف عضوٍ أو بطء البرء أو شين فاحشٌ .
قال العز بن عبد السّلام: إن قيل ما ضابط الفعل الشّاقّ الّذي يؤجر عليه أكثر ممّا يؤجر على الخفيف ؟ قلت: إذا اتّحد الفعلان في الشّرف والشّرائط والسنن والأركان - وكان أحدهما - شاقًا فقد استويا في أجرهما لتساويهما في جميع الوظائف وانفرد أحدهما بتحمل المشقّة لأجل اللّه سبحانه وتعالى , فأثيب على تحمل المشقّة لا على عين المشاقّ , إذ لا يصح التّقرب بالمشاقّ لأنّ القرب كلّها تعظيم للرّبّ سبحانه وتعالى وليس عين المشاقّ تعظيمًا ولا توقيرًا , ويدل على ذلك أنّ من تحمّل مشقّةً في خدمة إنسان فإنّه يرى ذلك له لأجل كونه شقّ عليه , وإنّما يراه له بسبب تحمل مشقّة الخدمة لأجله ... ويختلف أجر تحمل المشاقّ بشدّة المشاقّ وخفّتها .
وقال الشّاطبي: كما أنّ المشقّة تكون دنيويّةً , كذلك تكون أخرويّةً , فإنّ الأعمال إذا كان الدخول فيها يؤدّي إلى تعطيل واجب أو فعل محرّم فهو أشد مشقّةً - باعتبار الشّرع - من المشقّة الدنيويّة الّتي هي غير مخلّة بدين , واعتبار الدّين مقدّم على اعتبار النّفس والأعضاء وغيرها في نظر الشّارع , فالمشقّة الدّينيّة مقدّمة في الاعتبار على الدنيويّة , فإذا كان كذلك فليس للشّارع قصد في إدخال المشقّة من هذه الجهة .
فالمشقّة من حيث إنّها غير مقصودة للشّارع تكون غير مطلوبة ولا العمل المؤدّي إلى المشقّة الخارجة عن المعتاد مطلوبًا , فقد نشأ هنا نظر في تعارض مشقّتين , فإنّ المكلّف إن لزم من اشتغاله بنفسه فساد ومشقّة لغيره فيلزم أيضًا من الاشتغال بغيره فساد ومشقّة في نفسه , وإذا كان كذلك تصدّى النّظر في وجه اجتماع المصلحتين مع انتفاء المشقّتين إن أمكن ذلك , وإن لم يمكن فلا بدّ من التّرجيح , فإذا كانت المشقّة العامّة أعظم أعتبر جانبها وأهمل جانب الخاصّة .
ثمّ إنّ المشقّة في الأعمال المعتادة مختلفة باختلاف تلك الأعمال فليست المشقّة في صلاة ركعتي الفجر كالمشقّة في ركعتي الصبح , ولا المشقّة في الصّلاة كالمشقّة في الصّيام ولا المشقّة في الصّيام كالمشقّة في الحجّ , ولا المشقّة في ذلك كلّه كالمشقّة في الجهاد , إلى غير ذلك من أعمال التّكليف ولكن كل عمل في نفسه له مشقّة معتادة فيه , توازي مشقّة مثله من الأعمال العاديّة .
المواطن الّتي تظن فيها المشقّة والأحكام المنوطة بها:
17 -شرع الإسلام أنواعًا من الرخص لظروف توجد للمكلّف نوعةً من المشقّة الّتي تثقل كاهله وقد ذكر العلماء أسباب التّخفيف في العبادات وغيرها الّتي بنيت على الأعذار وقد رخّص الشّارع لأصحابها بالتّخفيف عنهم في العبادات والمعاملات والحدود وغيرها , فكل ما تعسّر أمره وشقّ على المكلّف وضعه خفّفته الشّريعة ومن أهمّ هذه الأعذار الّتي جعلت سببًا للتّخفيف عن العباد والمواطن الّتي تظن فيها المشقّة هي: السّفر - المرض - الحمل - الإرضاع - الشّيخوخة والهرم - الإكراه - النّسيان - الجهل - العسر وعموم البلوى - النّقص .
أ - السّفر: