فذهب الحنفيّة إلى أنّ الحاجّ يصلّي المغرب والعشاء في مزدلفة جمعًا بأذان وإقامة , لأنّ العشاء في وقتها فلا تحتاج للإعلام فيقتصر على إقامة واحدة , ولا يشترط لهذا الجمع عندهم جماعة , فلو صلّاهما منفردًا جاز ولكنّ الجماعة فيه سنّة . وللجمع بمزدلفة عندهم شروط هي:
أ - الإحرام بالحجّ .
ب - تقديم الوقوف بعرفة عليه .
ج - الزّمان , والمكان , والوقت , فالزّمان ليلة النّحر , والمكان مزدلفة , والوقت وقت العشاء ما لم يطلع الفجر , فلا يجوز هذا الجمع لغير المحرم بالحجّ , ولا في غير الزّمان والمكان والوقت المذكور .
فلو صلّى المغرب والعشاء في عرفات أو في الطّريق أعادهما , لحديث أسامة بن زيد رضي اللّه عنهما قال: « دفع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من عرفة فنزل الشّعب فبال ثمّ توضّأ ولم يسبغ الوضوء فقلت له الصّلاة فقال الصّلاة أمامك فجاء المزدلفة فتوضّأ فأسبغ ثمّ أقيمت الصّلاة فصلّى المغرب ثمّ أناخ كل إنسان بعيره في منزله ثمّ أقيمت الصّلاة فصلّى ولم يصلّ بينهما » .
قال الشّهاوي من الحنفيّة: هذا فيما إذا ذهب إلى المزدلفة من طريقها , أمّا إذا ذهب إلى مكّة المكرّمة من غير طريق المزدلفة جاز له أن يصلّي المغرب في الطّريق .
وقال المالكيّة: إذا غربت الشّمس يوم عرفة دفع الإمام والنّاس معه إلى المزدلفة وجمع الإمام والنّاس معه المغرب والعشاء بمزدلفة جمع تأخير وقصروا العشاء , إلّا أهل المزدلفة فيتمونها مع جمعها بالمغرب , والمذهب أنّ هذا كلّه سنّة إن وقف مع الإمام , فإن لم يقف معه بأن لم يقف أصلًا , أو وقف وحده فلا يجمع , لا بالمزدلفة ولا بغيرها ويصلّي كلّ صلاة في مختارها من غير جمع .
وإن عجز من وقف بعرفة مع الإمام عن السّير معه , لضعفه أو ضعف دابّته , فيجمع بينهما بعد مغيب الشّفق الأحمر في مزدلفة أو قبلها إن كان وقف بعرفة ونفر منها مع الإمام وتأخّر عنه لعذر به .
وإن قدّم العشاءين على الشّفق الأحمر , أو على النزول بمزدلفة أعادهما ندبًا إن صلّاهما بعد الشّفق قبل وصوله مزدلفة , ووجوبًا إن قدّمهما على الشّفق بالنّسبة لصلاة العشاء , لأنّها باطلة , لصلاتها قبل وقتها , أمّا المغرب فيعيدها ندبًا إن بقي وقتها .
وذكر ابن حبيب من المالكيّة: أنّه إذا صلّى في المزدلفة فلا يعيد , وإنّما الإعادة عنده لمن صلّى قبل المزدلفة , لقول النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: « الصّلاة أمامك » .
وقال الشّافعيّة: السنّة أن يؤخّر الحجّاج صلاة المغرب ويجمعوا بينها وبين العشاء في المزدلفة في وقت العشاء ما لم يخش الحاج فوات وقت الاختيار للعشاء , وهو ثلث اللّيل في أصحّ القولين , ونصفه في القول الآخر .
وجواز الجمع بينهما بمزدلفة في وقت العشاء للحاجّ المسافر دون غيره , لأنّ الجمع عندهم بسبب السّفر لا بسبب النسك .
قالوا: والسنّة إذا وصلوا مزدلفة أن يصلوا قبل حطّ الرّحال وينيخ كل إنسان جمله ويعقله, ثمّ يصلون , لحديث أسامة بن زيد رضي اللّه عنهما « أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم لمّا جاء المزدلفة توضّأ ثمّ أقيمت الصّلاة فصلّى المغرب ثمّ أناخ كل إنسان بعيره في منزله ثمّ أقيمت العشاء فصلّاها ولم يصلّ بينهما شيئًا » .
قال الشّافعي: ولو ترك الجمع بينهما وصلّى كل واحد في وقتها أو جمع بينهما في وقت المغرب أو جمع وحده لا مع الإمام , أو صلّى إحداهما مع الإمام والأخرى وحده جامعًا بينهما , أو صلّاهما في عرفات , أو في الطّريق قبل المزدلفة جاز , وفاتته الفضيلة .
وإن جمع بينهما في المزدلفة في وقت العشاء أقام لكلّ واحدة منهما , ولا يؤذّن للثّانية , ويؤذّن للأولى في الأصحّ , لحديث جابر رضي اللّه عنه: « أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أتى المزدلفة فصلّى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ولم يسبّح بينهما شيئًا ثمّ اضطجع حتّى طلع الفجر وصلّى الفجر » .
وقال الحنابلة: السنّة لمن دفع من عرفة أن لا يصلّي المغرب حتّى يصل مزدلفة , فيجمع بين المغرب والعشاء ويقيم لكلّ صلاة إقامةً لحديث أسامة بن زيد رضي اللّه عنهما قال:
« دفع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من عرفة حتّى إذا كان بالشّعب نزل فبال ثمّ توضّأ فقلت له الصّلاة يا رسول اللّه قال الصّلاة أمامك فركب فلمّا جاء مزدلفة نزل فتوضّأ فأسبغ الوضوء ثمّ أقيمت الصّلاة فصلّى المغرب ثمّ أناخ كل إنسان بعيره في منزله ثمّ أقيمت الصّلاة فصلّى ولم يصلّ بينهما » .
وروي هذا القول عن ابن عمر رضي اللّه عنهما .
وإن جمع بينهما بإقامة الأولى فلا بأس , يروى ذلك عن ابن عمر أيضًا , وبه قال الثّوري , لما روى ابن عمر قال: « جمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بين المغرب والعشاء بجمع صلّى المغرب ثلاثًا والعشاء ركعتين بإقامة واحدة » , وإن أذّن للأولى وأقام ثمّ أقام للثّانية فحسن , فإنّه يروى في حديث جابر , وهو متضمّن للزّيادة , وهو معتبر بسائر الفوائت والمجموعات , وهو قول ابن المنذر وأبي ثور , والّذي اختار الخرقيّ إقامةً لكلّ صلاة من غير أذان , قال ابن المنذر: وهو آخر قولي أحمد , لأنّه رواية أسامة رضي اللّه عنه , وهو أعلم بحال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فإنّه كان رديفه , وقد اتّفق هو وجابر رضي اللّه عنهما في حديثهما على إقامة لكلّ صلاة , واتّفق أسامة وابن عمر رضي اللّه عنهم على الصّلاة بغير أذان .
الوقوف في المشعر الحرام والدعاء فيه: