فهرس الكتاب

الصفحة 1290 من 2053

وعن شدّاد بن الهاد: » أنّ رجلًا من الأعراب جاء إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فآمن به واتّبعه ثمّ قال: أهاجر معك . فأوصى به النّبيّ صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه ، فلمّا كانت غزوة ، غنم النّبيّ صلى الله عليه وسلم سبيًا فقسم وقسم له ، فأعطى أصحابه ما قسم له ، وكان يرعى ظهرهم . فلمّا جاء دفعوه إليه فقال: ما هذا ؟ قالوا: قسم قسمه لك النّبيّ صلى الله عليه وسلم فأخذه فجاء به إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: ما هذا ؟ قال: قسمته لك ، قال: ما على هذا اتّبعتك ، ولكنّي اتّبعتك على أن أرمى إلى ههنا ، وأشار إلى حلقه ، بسهم فأموت فأدخل الجنّة . فقال: إن تصدق اللّه يصدقك . فلبثوا قليلًا ثمّ نهضوا في قتال العدوّ فأتي به النّبيّ صلى الله عليه وسلم يحمل قد أصابه سهم حيث أشار . فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: أهو هو ؟ قالوا: نعم ، قال: صدق اللّه فصدقه . ثمّ كفّنه النّبيّ صلى الله عليه وسلم في جبّة النّبيّ صلى الله عليه وسلم ثمّ قدّمه فصلّى عليه فكان فيما ظهر من صلاته: اللّهمّ هذا عبدك خرج مهاجرًا في سبيلك فقتل شهيدًا ، أنا شهيد على ذلك « .

وبما روي عن عقبة بن عامر - رضي الله عنه - قال: » إنّه عليه السلام خرج يومًا فصلّى على أهل أحد صلاته على الميّت ثمّ انصرف إلى المنبر « .

وقالوا: إنّ الصّلاة على الميّت شرعت إكرامًا له ، والطّاهر من الذّنب لا يستغني عنها ، كالنّبيّ والصّبيّ .

أمّا المالكيّة فيرون عدم غسله والصّلاة عليه ، ونصّ بعضهم على تحريمهما .

قال الشّافعيّة: يحرم غسل الشّهيد والصّلاة عليه لأنّه حيّ بنصّ القرآن ، ولما ورد عن جابر: » أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أمر في قتلى أحد بدفنهم ، ولم يغسّلوا ولم يصلّ عليهم « . وجاء من وجوه متواترة أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لم يصلّ عليهم وقال في قتلى أحد: » زمّلوهم بدمائهم « .

ولعلّ ترك الغسل والصّلاة على من قتله جماعة المشركين إرادة أن يلقوا اللّه جلّ وعزّ بكلومهم لما جاء فيه عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم: » أنّ ريح الكلم ريح المسك واللّون لون الدّم « واستغنوا بكرامة اللّه جلّ وعزّ عن الصّلاة لهم مع التّخفيف على من بقي من المسلمين لما يكون فيمن قاتل بالزّحف من المشركين من الجراح وخوف عودة العدوّ ورجاء طلبهم وهمّهم بأهليهم وهمّ أهليهم بهم .

والحكمة في ذلك إبقاء أثر الشّهادة عليهم والتّعظيم لهم باستغنائهم عن دعاء القوم .

وورد عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال: » ليس شيء أحبّ إلى اللّه من قطرتين وأثرين قطرة من دموع في خشية اللّه ، وقطرة دم تهراق في سبيل اللّه ، أمّا الأثران فأثر في سبيل اللّه، وأثر في فريضة من فرائض اللّه « .

وجمهور الحنابلة يرون حرمة غسله ، وهي رواية عن الإمام أحمد ، غير أنّ منهم من يرى كراهته ، أمّا الصّلاة فلا يصلّى عليه في أصحّ الرّوايتين لديهم . وفي رواية عندهم تجب الصّلاة عليه ، ومال إلى هذا بعض علمائهم منهم الخلال ، وأبو الخطّاب وأبو بكر بن عبد العزيز في التّنبيه .

ضابط الشّهيد الّذي لا يغسّل ولا يصلّى عليه:

5 -ذهب الفقهاء إلى أنّ: من قتله المشركون في القتال ، أو وجد ميّتًا في مكان المعركة وبه أثر جراحة أو دم ، لا يغسّل لقوله صلى الله عليه وسلم في شهداء أحد: » زمّلوهم بكلومهم ودمائهم ولا تغسّلوهم « ، ولم ينقل خلاف في هذا إلاّ ما روي عن الحسن ، وسعيد بن المسيّب . واختلفوا في غير من ذكر ، فذهب المالكيّة والشّافعيّة إلى: أنّ كلّ مسلم مات بسبب قتال الكفّار حال قيام القتال لا يغسّل ، سواء قتله كافر ، أو أصابه سلاح مسلم خطأً ، أو عاد إليه سلاحه ، أو سقط عن دابّته ، أو رمحته دابّة فمات ، أو وجد قتيلًا بعد المعركة ولم يعلم سبب موته ، سواء كان عليه أثر دم أم لا ، ولا فرق في ذلك بين الرّجل والمرأة ، والحرّ والعبد ، والبالغ والصّبيّ .

وقال الحنفيّة: يغسّل كلّ مسلم قتل بالحديد ظلمًا وهو طاهر بالغ ، ولم يجب عوض ماليّ في قتله، فإن كان جنبًا أو صبيًّا ، أو وجب في قتله قصاص ، فإنّه يغسّل ، وإن وجد قتيلًا في مكان المعركة ، فإن ظهر فيه أثر لجراحة ، أو دم في موضع غير معتاد كالعين فلا يغسّل .

ولو خرج الدّم من موضع يخرج الدّم عادةً منه بغير آفة في الغالب كالأنف ، والدّبر والذّكر فيغسّل .

والأصل عندهم في غسل الشّهيد: أنّ كلّ من صار مقتولًا في قتال أهل الحرب أو البغاة ، أو قطّاع الطّريق ، بمعنىً مضاف إلى العدوّ كان شهيدًا ، سواء بالمباشرة أو التّسبّب ، وكلّ من صار مقتولًا بمعنىً غير مضاف إلى العدوّ لا يكون شهيدًا . فإن سقط من دابّته من غير تنفير من العدوّ أو انفلتت دابّة مشرك وليس عليها أحد فوطئت مسلمًا ، أو رمى مسلم إلى العدوّ فأصاب مسلمًا ، أو هرب المسلمون فألجأهم العدوّ إلى خندق ، أو نار ، أو جعل المسلمون الحسك حولهم، فمشوا عليها ، في فرارهم ، أو هجومهم على الكفّار فماتوا يغسّلون ، وكذا إن صعد مسلم حصنًا للعدوّ ليفتح الباب للمسلمين ، فزلّت رجله فمات ، يغسّل .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت