18 -إذا انتقل الملك عن طريق الإرث ووجد فيه ركازًا فلا خلاف بين الفقهاء في أنّه لورثته . أمّا لو انتقل إليه ببيعٍ أو هبةٍ ووجد فيه ركازًا فقد اختلف الفقهاء في من يكون له الرّكاز . فذهب جمهور الفقهاء ( المالكيّة والشّافعيّة وأبو حنيفة ومحمّد وهي رواية عن أحمد ) إلى أنّه للمالك الأوّل أو لوارثه لو كان حيًّا ; لأنّه كانت يده على الدّار فكانت على ما فيها . قال ابن عابدين نقلًا عن البحر: إنّ الكنز مودع في الأرض فلمّا ملكها الأوّل ملك ما فيها ، ولا يخرج ما فيها عن ملكه ببيعها كالسّمكة في جوفها درّة . وذهب أبو حنيفة ومحمّد إلى أنّه إذا لم يعرف المالك الأوّل ولا ورثته فيوضع الرّكاز في بيت المال على الأوجه . وهو قول المالكيّة . قال في الشّرح الصّغير: وهو الظّاهر بل المتعيّن . والقول الثّاني للمالكيّة: أنّه لقطة . وذهب أحمد في روايةٍ - وأبو يوسف وبعض المالكيّة إلى أنّ الرّكاز الباقي بعد الخمس للمالك الأخير ، لأنّه مال كافرٍ مظهور عليه في الإسلام ، فكان لمن ظهر عليه كالغنائم ; ولأنّ الرّكاز لا يملك بملك الأرض لأنّه مودع فيها ، وإنّما يملك بالظّهور عليه ، وهذا قد ظهر عليه فوجب أن يملكه . وقد صحّح في المغني هذه الرّواية ، ثمّ قال: لأنّ الرّكاز لا يملك بملك الدّار لأنّه ليس من أجزائها ، وإنّما هو مودع فيها ، فينزّل منزلة المباحات من الحشيش والحطب والصّيد يجده في أرض غيره فيأخذه فيكون أحقّ به . وقال ابن عابدين: قال أبو يوسف: الباقي للواجد كما في أرضٍ غير مملوكةٍ ، وعليه الفتوى ، وبه قال أبو ثورٍ . وذهب الحنابلة إلى أنّه إذا اختلف الورثة فأنكر بعضهم أن يكون لمورثهم ولم ينكره الباقون ، فحكم من أنكر في نصيبه حكم المالك الّذي لم يعترف به ، وحكم المعترفين حكم المالك المعترف .
ج - أن يجد الرّكاز في ملك غيره:
19 -ذهب الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة في روايةٍ إلى أنّ الرّكاز الموجود في دارٍ أو أرضٍ مملوكةٍ يكون لصاحب الدّار وفي روايةٍ أخرى عن أحمد أنّه لواجده . ونقل عن أحمد ما يدلّ أنّه لواجده . لأنّه قال في مسألة من استأجر أجيرًا ليحفر له في داره فأصاب في الدّار كنزًا: فهو للأجير . نقل ذلك عنه محمّد بن يحيى الكحّال ، قال القاضي: هو الصّحيح ، وهذا يدلّ على أنّ الرّكاز لواجده ، وهو قول أبي ثورٍ ، واستحسنه أبو يوسف ، وذلك لأنّ الكنز لا يملك بملك الدّار ، فيكون لمن وجده ، لكن إن ادّعاه المالك فالقول قوله ، وإن لم يدّعه فهو لواجده .
ثانيًا: أن يوجد الرّكاز في دار الصّلح:
20 -صرّح المالكيّة بأنّ دفين المصالحين لهم ولو كان الدّافن غيرهم ، فما وجد من الرّكاز مدفونًا في أرض الصّلح ، سواء كانوا هم الّذين دفنوه أو دفنه غيرهم فهو للّذين صالحوا على تلك الأرض ، والمشهور أنّه لا يخمّس ، فإن وجده أحد المصالحين في داره فهو له بمفرده سواء وجده هو أو غيره . وذهب الشّافعيّة إلى أنّ الرّكاز الموجود في موات دار أهل العهد يملكه واجده كموات دار الإسلام .
ثالثًا: أن يوجد الرّكاز في دار الحرب:
21 -اختلف الفقهاء في الرّكاز الموجود في دار الحرب: فذهب الحنفيّة إلى أنّ الرّكاز الموجود في دار الحرب إن كان في أرضٍ مملوكةٍ لغير مستأمنٍ فالكلّ للواجد وإلاّ وجب ردّه للمالك ، وأمّا الموجود في أرضٍ مملوكةٍ أصلًا فالكلّ للواجد بلا فرقٍ بين المستأمن وغيره ; لأنّ ما في صحرائهم ليس في يد أحدٍ على الخصوص فلا يعدّ غدرًا . وفرّق الشّافعيّة في الأرض المملوكة بين أن يؤخذ الرّكاز بقهرٍ وقتالٍ فهو غنيمة ، كأخذ أموالهم ونقودهم من بيوتهم فيكون خمسه لأهل خمس الغنيمة وأربعة أخماسه لواجده ، وبين أن يؤخذ بغير قتالٍ ولا قهرٍ فهو فيء ومستحقّه أهل الفيء . وذهب الشّافعيّة إلى أنّهم إن لم يذبّوا عنه فهو كموات دار الإسلام - بلا خلافٍ عندهم - وهو ركاز . وهذا محمول عند الحنفيّة والشّافعيّة على ما إذا دخل دار الحرب بغير أمانٍ . أمّا إذا دخل بأمانٍ فلا يجوز له أخذ الكنز لا بقتالٍ ولا بغيره . وذهب الحنابلة إلى أنّه إن قدر عليه بنفسه فهو لواجده ، حكمه حكم ما لو وجده في موات أرض المسلمين ، ولم يفرّق الحنابلة في الموات بين ما يذبّ عنه وبين ما لا يذبّ عنه ; لأنّه ليس لموضعه مالك محترم أشبه ما لو لم يعرف مالكه .
مصرف خمس الرّكاز:
22 -ذهب جمهور الفقهاء ( الحنفيّة والمالكيّة والمذهب عند الحنابلة وبه قال المزنيّ من الشّافعيّة ) إلى أنّ خمس الرّكاز يصرف مصارف الغنيمة وليس زكاةً . ومن ثمّ فإنّه حلال للأغنياء ولا يختصّ بالفقراء ، وهو لمصالح المسلمين ، ولا يختصّ بالأصناف الثّمانية . قال ابن قدامة: مصرفه مصرف الفيء ، وهذه الرّواية عن أحمد أصحّ ممّا سيأتي وأقيس على مذهبه ، لما روى أبو عبيدٍ عن الشّعبيّ: أنّ رجلًا وجد ألف دينارٍ مدفونةً خارجًا من المدينة ، فأتى بها عمر بن الخطّاب ، فأخذ منها الخمس مائتي دينارٍ ، ودفع إلى الرّجل بقيّتها ، وجعل عمر يقسم المائتين بين من حضره من المسلمين ، إلى أن أفضل منها فضلةً ، فقال: أين صاحب الدّنانير ؟ فقام إليه ، فقال عمر: خذ هذه الدّنانير فهي لك . ولو كان المأخوذ زكاةً لخصّ به أهلها ولم يردّه على واجده ; ولأنّه مال مخموس زالت عنه يد الكافر ، أشبه خمس الغنيمة . وذهب الشّافعيّة وهي رواية عن أحمد إلى أنّه يجب صرف خمس الرّكاز مصرف الزّكاة . قال النّوويّ: هذا هو المذهب . ولتفصيل توزيع الخمس ينظر مصطلح: ( خمس ، غنيمة ، فيء ) .