فهرس الكتاب

الصفحة 1034 من 2053

ج - أن يكون المرميّ حجرًا: فلا يصحّ الرّمي بالطّين ، والمعادن ، والتّراب عند الجمهور ( المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ) ويصحّ بالمرمر ، وحجر النّورة أي الجصّ قبل طبخه ، ويجزئ حجر الحديد على الصّحيح عند الشّافعيّة لأنّه حجر في هذه الحال ، إلاّ أنّ فيه حديدًا كامنًا يستخرج بالعلاج ، وفيما يتّخذ منه الفصوص كالفيروزج ، والياقوت ، والعقيق ، والزّمرّد ، والبلّور ، والزّبرجد وجهان عند الشّافعيّة أصحّهما الإجزاء لأنّها أحجار . وذهب الحنفيّة إلى أنّ الشّرط في المرميّ أن يكون من جنس الأرض ، فيصحّ عندهم الرّمي بالتّراب ، والطّين ، والجصّ ، والكحل ، والكبريت ، والزّبرجد ، والزّمرّد ، والبلّور ، والعقيق ، ولا يصحّ بالمعادن ، والذّهب ، والفضّة ، واختلفوا في جواز الرّمي بالفيروزج والياقوت: منعه الشّارحون وغيرهم ، بناءً على أنّه يشترط كون الرّمي بالرّمي به استهانةً . وأجازه غيرهم بناءً على نفي ذلك الاشتراط . استدلّ الجمهور بما ثبت من فعل النّبيّ صلى الله عليه وسلم كما في حديث جابرٍ { يصف رمي جمرة العقبة: فرماها بسبع حصياتٍ - يكبّر مع كلّ حصاةٍ منها - مثل حصى الخذف } . وبقوله صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرةٍ: { ارموا الجمار بمثل حصى الخذف } وفي عددٍ منها أنّه قال ذلك { وهو واضع أصبعيه إحداهما على الأخرى } . قال النّوويّ: فأمر صلى الله عليه وسلم بالحصى ، فلا يجوز العدول عنه ، والأحاديث المطلقة محمولة على هذا المعنى » . واستدلّ الحنفيّة بالأحاديث الواردة في الأمر بالرّمي مطلقةً عن صفةٍ مقيّدةٍ ، كقوله صلى الله عليه وسلم: { ارم ولا حرج } متّفق عليه . قال الكاسانيّ: والرّمي بالحصى من النّبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم محمول على الأفضليّة ، توفيقًا بين الدّلائل ، لما صحّ من مذهب أصحابنا أنّ المطلق لا يحمل على المقيّد ، بل يجري المطلق على إطلاقه ، والمقيّد على تقييده ما أمكن ، وهاهنا أمكن بأن يحمل المطلق على الجواز ، والمقيّد على الأفضليّة . وقال الحنفيّة أيضًا: إنّ المقصود فعل الرّمي ، وذلك يحصل بالطّين ، كما يحصل بالحجر ، بخلاف ما إذا رمى بالذّهب أو الفضّة ; لأنّه يسمّى نثرًا لا رميًا . ولا يخفى أنّ الأحوط في ذلك مذهب الجمهور ، قال الكمال بن الهمام: إنّ أكثر المحقّقين على أنّها أمور تعبّديّة ، لا يشتغل بالمعنى فيها - أي بالعلّة - والحاصل أنّه إمّا أن يلاحظ مجرّد الرّمي ، أو مع الاستهانة ، أو خصوص ما وقع منه عليه الصلاة والسلام ، والأوّل يستلزم الجواز بالجواهر ، والثّاني بالبعرة والخشبة الّتي لا قيمة لها ، والثّالث بالحجر خصوصًا ، فليكن هذا أولى ، لكونه أسلم ، ولكونه الأصل في أعمال هذه المواطن ، إلاّ ما قام دليل على عدم تعيينه . أمّا صفة المرميّ به ، فقد ورد في الأحاديث أنّه { مثل حصى الخذف } وحصى الخذف هي الّتي يخذف بها ، أي ترمى بها الطّيور والعصافير ، بوضع الحصاة بين أصبعي السّبّابة والإبهام وقذفها . وقد اتّفقوا على أنّ السّنّة في الرّمي أن يكون بمثل حصى الخذف ، فوق الحمّصة ، ودون البندقة ، وكرهوا الرّمي بالحجر الكبير ، وأجاز الشّافعيّة - وهو رواية عن أحمد - الرّمي بالحجر الصّغير الّذي كالحمّصة ، مع مخالفته السّنّة ; لأنّه رمي بالحجر فيجزئه . ولم يجز ذلك المالكيّة ، بل لا بدّ عندهم أن يكون أكبر من ذلك . وقيل: لا يجزئ الرّمي إلاّ بحصًى كحصى الخذف ، لا أصغر ولا أكبر . وهو مرويّ عن أحمد ، ووجهه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أمر بهذا القدر ، ونهى عن تجاوزه ، والأمر يقتضي الوجوب ، والنّهي يقتضي الفساد .

د - أن يرمي الجمرة بالحصيات السّبع متفرّقاتٍ: واحدةً فواحدةً ، فلو رمى حصاتين معًا أو السّبع جملةً ، فهي حصاة واحدة ، ويلزمه أن يرمي بستٍّ سواها وهو المعتمد في المذاهب . والدّليل عليه: أنّ المنصوص عليه تفريق الأفعال فيتقيّد بالتّفريق الوارد في السّنّة .

هـ - وقوع الحصى في الجمرة الّتي يجتمع فيها الحصى: وذلك عند الجمهور ( المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ) قال الشّافعيّ: الجمرة مجتمع الحصى ، لا ما سال من الحصى ، فمن أصاب مجتمعه أجزأه ، ومن أصاب سائله لم يجزه . وتوسّع الحنفيّة فقالوا: لو رماها فوقعت قريبًا من الجمرة يكفيه ; لأنّ هذا القدر ممّا لا يمكن الاحتراز عنه ، ولو وقعت بعيدًا منها لا يجزيه ; لأنّه لم يعرف قربه إلاّ في مكان مخصوصٍ . قال الكاسانيّ: لأنّ ما يقرب من ذلك المكان كان في حكمه ، لكونه تبعًا له . وأمّا مقدار المسافة القريبة ، فقيل: ثلاثة أذرعٍ فما دون ، وقيل: ذراع فأقلّ ، وهو الّذي فسّره به المحقّق كمال الدّين بن الهمام ، وهو أحوط .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت