فهرس الكتاب

الصفحة 1107 من 2053

"فَإِذَا قَدَّرْنَا الْمَصْدَرَ هُنَا وَهُوَ"الْإِطْعَامُ"بِمَعْنَى"مَا"اقْتَضَى ذَلِكَ مَا قَالَتْهُ الْحَنَفِيَّةُ , وَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَمَا يُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا . وَهَذَا التَّقْدِيرُ يُخْرِجُ أَبَا حَنِيفَةَ إلَى الْمَذْهَبِ الَّذِي أَرَادَ , وَإِنْ صَدَرَ"بِأَنَّ"كَانَ التَّقْدِيرُ: فَعَلَيْهِ أَنْ يُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا , وَهَذَا التَّقْدِيرُ الْأَخِيرُ يُخْرِجُ إلَى مَا يُرِيدُ . قَالَ: وَقَدْ زَاحَمْنَا أَبَا الْمَعَالِي فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ صِنَاعَةِ النَّحْوِ , وَذَكَرْنَا لِأَبِي حَنِيفَةَ تَعَلُّقًا مِنْهَا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ , ذَكَرَهُ الْإِمَامُ الْأَوَّلُ فِيهَا , وَهُوَ سِيبَوَيْهِ . ا هـ . وَيُقَالُ لَهُ: أَمَّا الْوَجْهُ الْأَوَّلُ: فَإِنَّ تَعْطِيلَ النَّصِّ حَاصِلٌ بِالِاتِّحَادِ سَوَاءٌ أَعْطَى فِي سِتِّينَ يَوْمًا أَمْ لَا . فَقَدْ عَطَّلُوا مِنْ النَّصِّ لَفْظَ السِّتِّينَ , وَلِلشَّارِعِ غَرَضٌ صَحِيحٌ فِي الْعَدَدِ عَلَى مَا سَبَقَ , وَلِأَنَّ فِي الْكَفَّارَةِ نَوْعُ تَعَبُّدٍ , وَهُوَ الْعَدَدُ , فَالتَّمَسُّكُ بِاللَّفْظِ الْمُحَصِّلِ لِلْمَقْصُودِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ أَوْلَى . وَأَمَّا الثَّانِي: فَمَا نَقَلَهُ عَنْ سِيبَوَيْهِ غَيْرُ مَعْرُوفٍ فِي كَلَامِهِ , وَالْمَنْقُولُ عَنْهُ أَنَّ الَّذِي يُقَدَّرُ بِهِ الْمَصْدَرُ الْعَامِلُ"أَنَّ"الْمُشَدَّدَةُ النَّاصِبَةُ لِضَمِيرِ الشَّأْنِ , لَا"أَنْ"الْمَصْدَرِيَّةُ وَ"مَا"الْمُقَدَّرَةُ حَرْفٌ مَصْدَرِيٌّ بِمَنْزِلَةِ"أَنْ". وَإِنَّمَا يَتَّجِهُ مَا قَالَهُ الْمَازِرِيُّ إذَا كَانَتْ مَوْصُولَةً لَا بِمَعْنَى الَّذِي , فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْإِطْعَامِ وَمَا يُطْعَمُ , وَمِنْ الْحَنَفِيَّةِ مَنْ أَنْكَرَ نِسْبَةَ هَذَا التَّأْوِيلِ لِجُمْهُورِهِمْ , وَقَدَّرَهُ: إعْطَاءُ طَعَامٍ سِتِّينَ مِسْكِينًا . وَمِنْهَا: حَمْلُهُمْ حَدِيثَ: { فِي أَرْبَعِينَ شَاةٍ شَاةٌ } عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ , أَيْ قِيمَةُ شَاةٍ , فَجَوَّزُوا إخْرَاجَ الْقِيمَةِ , لِأَنَّ الْمَقْصُودَ دَفْعُ حَاجَةِ الْفَقِيرِ , لِأَنَّ تَخْصِيصَ الشَّاةِ فِيهَا غَيْرُ مَعْقُولِ الْمَعْنَى , فَيَصِحُّ الْإِبْدَالُ , لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ . وَهَذَا التَّأْوِيلُ يُؤَدِّي إلَى رَفْعِ النَّصِّ وَبُطْلَانِهِ كَاَلَّذِي قَبْلَهُ . وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: إنَّمَا يَلْزَمُ ذَلِكَ أَنْ لَوْ قِيلَ إنَّ الشَّاةَ لَا تُجْزِئُ , وَلَمْ يَقُلْهُ هُوَ وَلَا غَيْرُهُ , وَإِنَّمَا قَالَ: إنَّ الْقِيمَةَ نَزَلَتْ مَنْزِلَةَ الشَّاةِ إذَا أُخْرِجَتْ وَهُوَ تَوْسِيعٌ لِلْمَخْرَجِ , لَا إسْقَاطٌ . وَإِنَّمَا النِّزَاعُ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي قَوْلِهِ: إنَّ مَقْصُودَ الشَّرْعِ سَدُّ الْخَلَّةِ , وَنَحْنُ نَقُولُ: لَا يَبْعُدُ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْمَقْصُودُ إعْطَاءَ الْفَقِيرِ مِنْ جِنْسِ مَالِ الْغَنِيِّ , لِيَنْقَطِعَ تَشَوُّفُ الْفَقِيرِ إلَى مَا فِي يَدِ الْغَنِيِّ . وَأَيْضًا فَالْحَدِيثُ ظَاهِرٌ فِي إيجَابِ تَعَيُّنِهَا , وَتَجْوِيزُ الْإِبْدَالِ مُحْوِجٌ إلَى الْإِضْمَارِ وَإِيجَابِ شَيْءٍ آخَرَ غَيْرِ الْمَذْكُورِ خِلَافَ الْأَصْلِ . وَمِنْهَا: حَمْلُهُمْ حَدِيثَ: { لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتْ الصِّيَامَ مِنْ اللَّيْلِ } عَلَى صَوْمِ الْقَضَاءِ وَالنَّذْرِ . وَهُوَ بَعِيدٌ , لِأَنَّ النَّكِرَةَ الْمَنْفِيَّةَ مِنْ أَدَلِّ أَلْفَاظِ الْعُمُومِ سِيَّمَا مَا وَرَدَ ابْتِدَاءً لِلتَّأْسِيسِ . فَحَمْلُهُ عَلَى النَّادِرِ مُخْرِجٌ لِلَّفْظِ عَنْ الْفَصَاحَةِ , وَتَأْوِيلُ نَفْيِ الْكَمَالِ أَقْرَبُ مِنْ هَذَا كَمَا قَالَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ ; وَحَمَلَهُ الطَّحَاوِيُّ عَلَى نِيَّةِ صَوْمِ الْغَدِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ , وَكَانَ يَلْهَجُ بِهِ . وَهُوَ أَبْعَدُ مِنْ الْأَوَّلِ , لِأَنَّ سِيَاقَهُ النَّهْيَ عَنْ تَأْخِيرِ النِّيَّةِ عَنْ اللَّيْلِ , وَالْحَثَّ عَلَى تَقْدِيمِهَا عَلَى الْيَوْمِ الَّذِي يَصُومُ فِيهِ , وَهَذَا كَالْفَحْوَى لَهُ . وَهُوَ مُضَادٌّ لِمَا ذَكَرُوهُ , وَلِأَنَّ حَمْلَ النَّهْيِ عَلَى الْمُعْتَادِ أَوْلَى , وَتَقْدِيمُ النِّيَّةِ غَيْرُ مُعْتَادٍ , وَحَمْلُهُ عَلَى نَفْيِ الْكَمَالِ أَقْرَبُ مِمَّا سَبَقَ , لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ , لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ فِي الْقَضَاءِ وَالنَّذْرِ , فَلَوْ اُسْتُعْمِلَ فِي غَيْرِهِ لِنَفْيِ الْكَمَالِ , وَفِيهِ لِنَفْيِ الصِّحَّةِ , لَزِمَ الِاسْتِعْمَالُ لِمَفْهُومَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ . وَمِنْهَا: حَمْلُهُمْ قوله تعالى: { وَلِذِي الْقُرْبَى } عَلَى أَرْبَابِ الْحَاجَاتِ , وَلَمْ يَشْتَرِطُوا الْقَرَابَةَ , فَصَرَفُوا اللَّفْظَ إلَى شَيْءٍ آخَرَ , وَاَللَّهُ تَعَالَى عَلَّقَ الِاسْتِحْقَاقَ بِالْقَرَابَةِ , وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِذِكْرِ الْحَاجَةِ , وَهِيَ مُنَاسِبَةٌ مَعَ ذَلِكَ , فَاشْتَرَطُوا الْحَاجَةَ , وَلَمْ يَشْتَرِطُوا الْقَرَابَةَ , وَهَذَا خِلَافُ مَا تَقْتَضِيهِ لَامُ التَّمْلِيكِ وَتَرَتُّبِ الْحُكْمُ عَلَى الْوَصْفِ الْمُنَاسِبِ , وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ زِيَادَةٌ عَلَى النَّصِّ , وَهِيَ نَسْخٌ عِنْدَهُمْ , لَا يَثْبُتُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ , فَكَيْفَ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت