فهرس الكتاب

الصفحة 1124 من 2053

ومن أسباب الاختلاف أيضًا: أن قومًا نظروا إلى المادة التي صنع منها الحلي، فقالوا: إنها نفس المعدن الذي خلقه الله ليكون نقدًا، يجرى به التعامل بين الناس، والذي وجبت فيه الزكاة بالإجماع، ومن ثم أوجبوا فيه الزكاة كسبائك الذهب والفضة ونقديهما.

وأن آخرين نظروا إلى أن هذا الحلي بالصناعة والصياغة خرج من مشابهة النقود، وأصبح من الأشياء التي تقتنى لإشباع الحاجات الشخصية كالأثاث والمتاع والثياب، وهذه لا تجب فيها الزكاة بالإجماع، لأن الزكاة -كما عرفنا من هدى الرسول- إنما تجب في المال النامي أو القابل للنماء والاستغلال، ومن هنا قال هؤلاء: لا زكاة في الحلي.

وهذا الخلاف إنما هو في حكم الحلي المباح، أما الحلي الذي حرمه الإسلام، فقد أجمعوا على وجوب زكاته.

وسنرد المختلفين هنا إلى فريقين

أولًا: فريق القائلين بتزكية الحلي كالنقود مطلقًا، بإخراج ربع عشره كل عام.

ثانيًا: والفريق الثاني: من لم ير ذلك، بأن لم يوجب فيه زكاة قط، أو أوجبها مرة واحدة في العمر، أو أوجبها بقيود معينة.

القائلون بزكاة الحلي

روى البيهقي وغيره عن علقمة أن امرأة ابن مسعود سألته عن حلى لها فقال: إذا بلغ مائتي درهم ففيه الزكاة قالت: أضعها في بنى أخ لي في حجري؟ قال: نعم قال البيهقي: وقد روى هذا مرفوعًا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، وليس بشيء (السنن الكبرى: 4/134، باب"من قال في الحلي زكاة") .

وروى أيضًا (السنن الكبرى: 4/134، باب"من قال في الحلي زكاة") عن شعيب بن يسار أن عمر كتب إلى أبى موسى:"أن مر من قبلك من نساء المسلمين أن يصدقن حليهن".

ولكن هذا ليس بثابت عن عمر (قال البيهقي: هذا مرسل؛ شعيب بن يسار لم يدرك عمر) ، ولذا روى ابن أبى شيبة عن الحسن قال: لا نعلم أحدًا من الخلفاء قال: في الحلي زكاة (المصنف: 4/28) .

وروى البيهقي عن عائشة قالت: لا بأس بلبس الحلي إذا أعطيت زكاته (السنن الكبرى - الصفحة السابقة، وانظر"الأموال"ص 440) ولكن صح عن عائشة خلاف ذلك كما سيجيء.

وعن عبد الله بن عمرو -أنه كان يكتب إلى خازنه سالم- أن يخرج زكاة حلى بناته كل سنة (المرجع السابق) ، وروى عنه أبو عبيد أنه حلى ثلاث بنات له بستة آلاف دينار، فكان يبعث مولى له جليدًا كل عام فيخرج زكاته منه (الأموال ص 440) .

وفى أسانيد هذه الآثار كلام، لذا قال أبو عبيد: لم تصح زكاة الحلي عندنا عن أحد من الصحابة إلا عن ابن مسعود (المصدر السابق ص 446) قال ابن حزم: وهو عنه في غاية الصحة (المحلى: 6/75) .

والقول بزكاة الحلي روى عن سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وعطاء، ومجاهد، وعبد الله بن شداد، وجابر بن زيد، وابن شبرمة، وميمون بن مهران، والزهري، والثوري، وهو قول أبى حنيفة وأصحابه والأوزاعى، والحسن ابن حي (انظر مصنف ابن أبى شيبة: 4/27، والأموال ص 441 - 442، والمحلى لابن حزم: 6/76، والمغنى لابن قدامة: 3/100 - مع أنه قد روى عن ابن المسيب: أن زكاة الحلي إعارته كما سيأتي) .

أدلة هذا القول

1-واستند القائلون بزكاة الحلي أولًا إلى إطلاق الآية الكريمة: (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم) (التوبة: 34) فالذهب والفضة في الآية يشمل الحلي كما يشمل النقود والسبائك، فما لم تؤد الزكاة منها فهي كنز يكوى به صاحبه يوم القيامة.

2-واستندوا ثانيًا إلى عموم قوله - صلى الله عليه وسلم:"في الرقة ربع العشر وليس فيما دون خمس أواق صدقة"مفهومه: أن فيها صدقة إذا بلغت خمس أواق، وإلى عموم ما جاء في زكاة الذهب مثل:"ما من صاحب ذهب لا يؤدى زكاته"الحديث، وقد تقدم.

3-واستدلوا ثالثًا بما ورد من الأحاديث في زكاة الحلي خاصة، وقد صححها طائفة من الأئمة، ومنها:

(أ) ما روى أبو داود من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن امرأة (عند ابن أبى شيبة وأبى عبيد أنها امرأة من اليمن) أتت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومعها ابنة لها، وفى يد ابنتها مسكتان (أسوارتان) غليظتان من ذهب، فقال لها: أتعطين زكاة هذا؟ قالت: لا قال: أيسرك أن يسورك الله بهما يوم القيامة سوارين من نار؟ قال: فخلعتهما فألقتها إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وقالت: هما لله ورسوله(الحديث سكت عنه أبو داود قال المنذري في مختصر السنن: وأخرجه الترمذي بنحوه وقال: لم يصح في هذا الباب عن النبي -صلى الله عليه وسلم- شيء، وأخرجه النسائي مسندًا ومرسلًا، وذكر أن المرسل أولى بالصواب - انظر مختصر السنن للمنذري: 2/175، وذكره في كتاب الزكاة من"الترغيب"وأشار إليه بعلامة الضعف، حيث صدره بلفظه:"روى"وأهمل الكلام عليه في آخره، وهذا علامة الإسناد الضعيف، كما ذكر ذلك في مقدمة كتابه"الترغيب": 1/555، 556 - طبع مصطفى الحلبي - الطبعة الثانية، وسيأتي رأى أبى عبيد فيه وتعليقنا عليه.

وقال الحافظ في التلخيص ص 183: أخرجه أبو داود من حديث حسين المعلم وهو ثقة عن عمرو وفيه رد على الترمذي حيث جزم بأنه لا يعرف إلا من حديث ابن لهيعة والمثنى بن الصباح عن عمرو، وقد تابعهم حجاج بن أرطأة أيضًا..أ هـ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت