وكذلك في النّفقة فإنّها تسقط بمضيّ الزّمان بلا إنفاق ، إلاّ نفقة الزّوجة وخادمتها فإنّها لا تسقط بل تصير دينًا في ذمّته . والتّفصيل في مصطلح: ( نفقة ) .
ويعتبر الزّمان أيضًا في اليمين ، كما إذا حلف أن لا يفعل الشّيء حينًا أو زمانًا أو دهرًا . والتّفصيل في مصطلح: ( أيمان ) .
وفي الشّهادات فإنّ الزّمان يؤثّر في الشّهادة على القتل كما إذا اختلف الشّهود في زمان القتل أو مكانه فإنّه لا يثبت .
ويؤثّر أيضًا في الشّهادة على الزّنا ، كما إذا شهد أربعة أنّه زنى بامرأة بمكان عند طلوع الشّمس ، وشهد أربعة أنّه زنى بها بمكان آخر عند طلوع الشّمس درئ الحدّ عنهم جميعًا ، إذ لا يتصوّر من الشّخص الزّنى في ساعة واحدة في مكانين متباعدين .
هذا وقد سبق في مصطلح ( أجل ) وهو المدّة المستقبلة الّتي يضاف إليها أمر من الأمور أنّه باعتبار مصدره على ثلاثة أقسام: شرعيّ وقضائيّ ، واتّفاقيّ ، وتفصيله في مصطلح: ( أجل ) .
حكم سبّ الزّمان:
10 -لم يرد النّهي عن سبّ الزّمان ، وإنّما ورد النّهي عن سبّ الدّهر في حديث أخرجه مسلم في صحيحه بعدّة طرق عن أبي هريرة رضي الله عنه منها: « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: لا تسبّوا الدّهر فإنّ اللّه هو الدّهر » .
وسبب النّهي عن سبّ الدّهر هو أنّ العرب كان شأنها أن تسبّ الدّهر عند النّوازل والحوادث والمصائب النّازلة بها من موت أو هرم أو تلف مال أو غير ذلك ، فيقولون: يا خيبة الدّهر ونحو هذا من ألفاظ سبّ الدّهر ، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: « لا تسبّوا الدّهر فإنّ اللّه هو الدّهر » أي لا تسبّوا فاعل النّوازل ، فإنّكم إذا سببتم فاعلها وقع السّبّ على اللّه تعالى ، لأنّه هو فاعلها ومنزلها ، وأمّا الدّهر الّذي هو الزّمان فلا فعل له بل هو مخلوق من جملة خلق اللّه تعالى ، ومعنى فإنّ اللّه هو الدّهر: أي فاعل النّوازل والحوادث وخالق الكائنات .
أثر الزّمان على العبادات والحقوق:
العبادات:
11 -العبادات باعتبار الزّمان الّذي تؤدّى فيه نوعان: مطلقة ومؤقّتة .
فالمطلقة: هي الّتي لم يقيّد أداؤها بزمن محدّد له طرفان ، لأنّ جميع العمر فيها بمنزلة الوقت فيما هو موقّت ، وسواء أكانت العبادة واجبةً كالكفّارات أم مندوبةً كالنّفل المطلق . وأمّا العبادات المقيّدة بزمان معيّن فهي ما حدّد الشّارع زمانًا معيّنًا لأدائها ، لا يجب الأداء قبله ولا يصحّ ، ويأثم بالتّأخير إن كان المطلوب واجبًا ، وذلك كالصّلوات الخمس وصوم رمضان .
وزمن الأداء إمّا موسّع: وهو ما كان الزّمان فيه يفضل عن أدائه ، أي أنّه يتّسع لأداء الفعل وأداء غيره من جنسه ، وذلك كوقت الظّهر مثلًا فإنّه يسع أداء صلاة الظّهر وأداء صلوات أخرى ، ولذلك يسمّى ظرفًا .
وإمّا مضيّق: وهو ما كان الزّمان فيه يسع الفعل وحده ولا يسع غيره معه ، وذلك كرمضان فإنّ زمانه لا يتّسع لأداء صوم آخر فيه ، ويسمّى معيارًا أو مساويًا ، والحجّ من العبادات الّتي يشتبه زمان أدائها بالموسّع والمضيّق لأنّ المكلّف لا يستطيع أن يؤدّي حجّتين في عام واحد ، فهو بهذا يشبه المضيّق ، ولكنّ أعمال الحجّ لا تستوعب زمانه ، فهو بهذا يشبه الموسّع ، هذا على اعتباره من الموقّت ، وقيل: إنّه من المطلق باعتبار أنّ العمر زمان للأداء كالزّكاة .
الحقوق:
أ - الإقرار بالحدود:
12 -اتّفق الفقهاء على أنّ مضيّ الزّمان لا أثر له على الإقرار بالحدود ، باستثناء الإقرار في حدّ الشّرب عند أبي حنيفة وأبي يوسف ، لأنّ الإنسان غير متّهم في حقّ نفسه .
ب - الشّهادة في الحدود:
13 -ذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ الشّهادة على الزّنى والقذف وشرب الخمر تقبل ولو بعد مضيّ زمان طويل من الواقعة ، وفرّق الحنفيّة بين الحدود الخالصة لحقّ اللّه تعالى ، فلا تقبل الشّهادة فيها بالتّقادم ، بخلاف ما هو حقّ للعباد .
وتفصيله في تقادم ( ف 13 /120 )
ج - سماع الدّعوى:
14 -اتّفق الفقهاء على أنّ الحقّ لا يسقط بالتّقادم ، ولم يفرّق جمهور الفقهاء في سماع الدّعوى بين ما تقادم منها وما لم يتقادم ، وفرّق الحنفيّة بينهما ، فقالوا: إنّ لوليّ الأمر منع القضاة من سماع الدّعوى في أحوال بشروط مخصوصة لتلافي التّزوير والتّحايل . واختلف فقهاء الحنفيّة في تعيين المدّة الّتي لا تسمع بعدها الدّعوى في الوقف ، ومال اليتيم، والغائب ، والإرث ، فجعلها بعضهم ستًّا وثلاثين سنةً ، وبعضهم ثلاثًا وثلاثين ، وبعضهم ثلاثين فقط ، إلاّ أنّه لمّا كانت هذه المدد طويلةً استحسن أحد السّلاطين فيما سوى ذلك جعلها خمس عشرة سنةً فقط . ومن ذلك يظهر أنّ التّقادم بمرور الزّمان مبنيّ على أمرين:
الأوّل: حكم اجتهاديّ نصّ عليه الفقهاء .
والثّاني: أمر سلطانيّ يجب على القضاة في زمنه اتّباعه ، لأنّهم بمقتضاه معزولون عن سماع دعوى مضى عليها خمس عشرة سنةً بدون عذر ، والقاضي وكيل عن السّلطان ، والوكيل يستمدّ التّصرّف من موكّله ، فإذا خصّص له تخصّص ، وإذا عمّم تعمّم .
وتفصيله في مصطلح: ( تقادم ) .
وأمّا التّقادم في وضع اليد وإثبات الملك بذلك فينظر في مصطلح: ( حيازة ) ومصطلح: ( تقادم ف /9 )