وقال النّوويّ منبّهًا محذّرًا: ولا يجوز أن يطاف بقبره صلى الله عليه وسلم ، ويكره إلصاق الظّهر والبطن بجدار القبر . قالوا: ويكره مسحه باليد وتقبيله ، بل الأدب أن يبعد منه ، كما يبعد منه لو حضره في حياته صلى الله عليه وسلم هذا هو الصّواب الّذي قاله العلماء وأطبقوا عليه ، ولا يغترّ بمخالفة كثيرين من العوّام وفعلهم ذلك ، فإنّ الاقتداء والعمل إنّما يكون بالأحاديث الصّحيحة وأقوال العلماء ، ولا يلتفت إلى محدثات العوّام وغيرهم وجهالاتهم . قال صلى الله عليه وسلم: « لا تجعلوا بيوتكم قبورًا ، ولا تجعلوا قبري عيدًا ، وصلّوا عليّ فإنّ صلاتكم تبلغني حيث كنتم » .
معنى الحديث لا تعطّلوا البيوت من الصّلاة فيها والدّعاء والقراءة فتكون بمنزلة القبور ، فأمر بتحرّي العبادة بالبيوت ونهى عن تحرّيها عند القبور ، عكس ما يفعله المشركون من النّصارى ومن تشبّه بهم من هذه الأمّة . والعيد اسم ما يعود من الاجتماع العامّ على وجه معتاد عائدًا ما يعود السّنة أو يعود الأسبوع أو الشّهر ونحو ذلك .
قال في عون المعبود: قال ابن القيّم: العيد ما يعتاد مجيئه وقصده من زمن ومكان مأخوذ من المعاودة والاعتياد ، فإذا كان اسمًا للمكان فهو المكان الّذي يقصد فيه الاجتماع والانتياب بالعبادة وبغيرها كما أنّ المسجد الحرام ومنىً ومزدلفة وعرفة والمشاعر جعلها اللّه تعالى عيدًا للحنفاء ومثابةً للنّاس ، كما جعل أيّام العيد منها عيدًا . وكان للمشركين أعياد زمانيّة ومكانيّة فلمّا جاء اللّه بالإسلام أبطلها وعوّض الحنفاء منها عيد الفطر وعيد النّحر ، كما عوّضهم عن أعياد المشركين المكانيّة بكعبة ومنىً ومزدلفة وسائر المشاعر .
قال المناويّ في فيض القدير: معناه النّهي عن الاجتماع لزيارته اجتماعهم للعيد ، إمّا لدفع المشقّة أو كراهة أن يتجاوزوا حدّ التّعظيم . وقيل: العيد ما يعاد إليه أي لا تجعلوا قبري عيدًا تعودون إليه متى أردتم أن تصلّوا عليّ ، فظاهره منهيّ عن المعاودة والمراد المنع عمّا يوجبه ، وهو ظنّهم بأنّ دعاء الغائب لا يصل إليه ، ويؤيّده قوله: « وصلّوا عليّ فإنّ صلاتكم تبلغني حيث كنتم » أي لا تتكلّفوا المعاودة إليّ فقد استغنيتم بالصّلاة عليّ .
قال المناويّ: ويؤخذ منه أنّ اجتماع العامّة في بعض أضرحة الأولياء في يوم أو شهر مخصوص من السّنة ويقولون: هذا يوم مولد الشّيخ ، ويأكلون ويشربون وربّما يرقصون فيه منهيّ عنه شرعًا ، وعلى وليّ الشّرع ردعهم على ذلك ، وإنكاره عليهم وإبطاله .
وقال شيخ الإسلام ابن تيميّة: الحديث يشير إلى أنّ ما ينالني منكم من الصّلاة والسّلام يحصل مع قربكم من قبري وبعدكم عنه ، فلا حاجة بكم إلى اتّخاذه عيدًا .
صفة زيارته صلى الله عليه وسلم:
7 -إذا أراد الزّائر زيارته صلى الله عليه وسلم فلينو زيارة مسجده الشّريف أيضًا ، لتحصل سنّة زيارة المسجد وثوابها .
وإذا عاين بساتين المدينة صلّى عليه صلى الله عليه وسلم وقال: اللّهمّ هذا حرم نبيّك فاجعله وقايةً لي من النّار وأمانًا من العذاب وسوء الحساب .
وإذا وصل باب المسجد النّبويّ دخل وهو يقول الذّكر المعروف عند دخول المساجد: « اللّهمّ صلّ على محمّد ، ربّ اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك » .
وعند الخروج يقول ذلك ، لكن بلفظ"وافتح لي أبواب فضلك » ."
ويصلّي ركعتي تحيّة المسجد ، ثمّ يقصد الحجرة الشّريفة الّتي فيها قبره عليه الصلاة والسلام فيستدبر القبلة ويستقبل القبر ويقف أمام النّافذة الدّائريّة اليسرى مبتعدًا عنها قدر أربعة أذرع إجلالًا وتأدّبًا مع المصطفى صلى الله عليه وسلم فهو أمام وجه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فيسلّم عليه دون أن يرفع صوته ، بأيّ صيغة تحضره من صيغ التّسليم على النّبيّ صلى الله عليه وسلم ويردف ذلك بالصّلاة عليه صلى الله عليه وسلم بما يحضره أيضًا
8-وقد أورد العلماء عبارات كثيرةً صاغوها لتعليم النّاس ، ضمّنوها ثناءً على النّبيّ صلى الله عليه وسلم . فيدعو الإنسان بدعاء زيارة القبور ويصلّي ويسلّم على النّبيّ صلى الله عليه وسلم فيدعو بما يفتح اللّه عليه .
9-وإن كان أحد قد أوصاه بالسّلام عليه صلى الله عليه وسلم فليقل: السّلام عليك يا رسول اللّه من فلان بن فلان ، أو فلان بن فلان يسلّم عليك يا رسول اللّه ، أو ما شابه ذلك .
10 -ثمّ يتأخّر إلى صوب اليمين قدر ذراع اليد للسّلام على الصّدّيق الأكبر سيّدنا أبي بكر رضي الله عنه ، لأنّ رأسه عند كتف رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ويسلّم عليه بما يحضره من الألفاظ الّتي تليق بمقام الصّدّيق رضي الله عنه .
11 -ثمّ يتنحّى صوب اليمين قدر ذراع للسّلام على الفاروق الّذي أعزّ اللّه به الإسلام سيّدنا عمر بن الخطّاب رضي الله عنه ، ويسلّم عليه بما يحضره من الألفاظ الّتي تليق بمقامه رضي الله عنه .
12 -ثمّ يرجع ليقف قبالة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كالأوّل ، ويدعو متشفّعًا به بما شاء من الخيرات له ولمن يحبّ وللمسلمين .
ويراعي في كلّ ذلك أحوال الزّحام بحيث لا يؤذي مسلمًا .