فهرس الكتاب

الصفحة 1302 من 2053

5-قال العلماء: من فوائد الحثّ على الصّفّ الأوّل المسارعة إلى خلاص الذّمّة والسّبق لدخول المسجد ، والفرار من مشابهة المنافقين ، والقرب من الإمام ، واستماع قراءته والتّعلّم منه والفتح عليه والتّبليغ عنه ومشاهدة أحواله ، والسّلامة من اختراق المارّة بين يديه ، وسلامة البال من رؤية من يكون أمامه وسلامة موضع سجوده من أذيال المصلّين ، والتّعرّض لصلاة اللّه وملائكته ، ودعاء نبيّه صلى الله عليه وسلم وغير ذلك .

6-ولكن العلماء اختلفوا في المراد من الصّفّ الأوّل فذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ الصّفّ الأوّل الممدوح الّذي وردت الأحاديث بفضله هو الصّفّ الّذي يلي الإمام سواء تخلّله منبر أو مقصورة أو أعمدة أو نحوها ، وسواء جاء صاحبه مقدّمًا أو مؤخّرًا لقوله صلى الله عليه وسلم: « لو يعلمون ما في الصّفّ المقدّم لكانت قرعة » ، ولقوله صلى الله عليه وسلم عندما رأى في أصحابه تأخّرًا: « تقدّموا فائتمّوا بي وليأتمّ بكم من بعدكم ، لا يزال قوم يتأخّرون حتّى يؤخّرهم اللّه » .

وذهب بعض العلماء ومنهم الغزاليّ إلى أنّ الصّفّ الأوّل الفاضل هو أوّل صفّ تامّ يلي الإمام ولا يتخلّله شيء ممّا ذكر ، لأنّ ما فيه خلل فهو ناقص .

قال ابن حجر العسقلانيّ: وكأنّ صاحب هذا القول لحظ أنّ المطلق ينصرف إلى الكامل ، واستدلّ أصحاب هذا القول بما رواه أصحاب السّنن من حديث عبد الحميد بن محمود قال: « صلّينا خلف أمير من الأمراء فاضطرّنا النّاس فصلّينا بين السّاريتين ، فلمّا صلّينا قال أنس بن مالك كنّا نتّقي هذا على عهد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم » .

وذهب بعض العلماء الآخرين ومنهم بشر بن الحارث وابن عبد البرّ إلى أنّ المراد بالصّفّ الأوّل هو من سبق إلى مكان الصّلاة وجاء أوّلًا وإن صلّى في آخر الصّفوف ، واحتجّوا باتّفاق العلماء على أنّ من جاء أوّل الوقت ولم يدخل في الصّفّ الأوّل أفضل ممّن جاء في آخر الوقت وزاحم إلى الصّفّ الأوّل .

قال ابن حجر العسقلانيّ - أيضًا -: وكأنّ صاحب هذا القول لاحظ المعنى في تفضيل الصّفّ الأوّل دون مراعاة لفظه .

الفرار من الصّفّ في القتال مع الكفّار:

7 -اتّفق العلماء على أنّه يحرم على من لزمه الجهاد - وهو المسلم الذّكر الحرّ المكلّف المستطيع - الانصراف عن الصّفّ عند التقاء صفوف المسلمين والكفّار ، وإن غلب على ظنّه أنّه إن ثبت قتل لقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفًا فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ } الآية ، ولأنّ « النّبيّ صلى الله عليه وسلم عدّ التّولّي يوم الزّحف من السّبع الموبقات » .

وذلك بشرط أن لا يزيد عدد الكفّار على مثلي المسلمين ، بأن كانوا مثلهم أو أقلّ لقوله تعالى: { فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ } ، إلاّ أن يكون متحرّفًا لقتال أو متحيّزًا إلى فئة من المسلمين ينضمّ إليهم محاربًا لقوله تعالى: { وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ } .

فإن زاد عدد الكفّار عن مثلي المسلمين جاز الانصراف عن الصّفّ .

الصّفّ في صلاة الجنازة:

8 -قال الفقهاء: يستحبّ تسوية الصّفّ في الصّلاة على الجنازة ، لأنّ « النّبيّ صلى الله عليه وسلم نعى النّجاشيّ في اليوم الّذي مات فيه وخرج إلى المصلّى فصفّ بهم وكبّر أربعًا» .

وورد أنّ أبا بكّار الحكم بن فرّوخ قال: صلّى بنا أبو المليح على جنازة فظننّا أنّه قد كبّر فأقبل علينا بوجهه فقال: أقيموا صفوفكم ولتحسن شفاعتكم .

كما يستحبّ أن لا تنقص الصّفوف عن ثلاثة لقوله صلى الله عليه وسلم: « من صلّى عليه ثلاثة صفوف فقد أوجب » وقوله صلى الله عليه وسلم: « ما من ميّت يصلّى عليه أمّة من المسلمين يبلغون مائةً كلّهم يشفعون له إلاّ شفّعوا فيه » .

فإن كان وراء الإمام أربعة جعلهم صفّين في كلّ صفّ رجلين ، وإذا كانوا سبعةً أقاموا ثلاثة صفوف يتقدّم واحد منهم إمامًا وثلاثة بعده واثنان بعدهم وواحد بعدهما ، لما روي من « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم صلّى على جنازة فكانوا سبعةً فجعل الصّفّ الأوّل ثلاثةً والثّاني اثنين والثّالث واحدًا » . إلاّ أنّ بعض العلماء كره أن يكون الواحد صفًّا ، كما كرهوا إذا كانوا ثلاثةً أن يجعلوا ثلاثة صفوف بحيث يكون كلّ صفّ رجلًا واحدًا .

أمّا مسألة صفّ الموتى إذا اجتمعوا فينظر في مصطلح: ( جنائز ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت