وخالف الكمال بن الهمام مشايخ الحنفيّة القائلين بأنّ العشرين سنّة في التّراويح فقال: قيام رمضان سنّة إحدى عشرة ركعةً بالوتر في جماعة ، فعله النّبيّ صلى الله عليه وسلم ثمّ تركه لعذر ، أفاد أنّه لولا خشية فرضه عليهم لواظب بهم ، ولا شكّ في تحقّق الأمن من ذلك بوفاته صلى الله عليه وسلم فيكون سنّةً ، وكونها عشرين سنّة الخلفاء الرّاشدين ، وقوله صلى الله عليه وسلم: « عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الرّاشدين » ندب إلى سنّتهم ، ولا يستلزم كون ذلك سنّته ، إذ سنّته بمواظبته بنفسه أو إلاّ لعذر ، وبتقدير عدم ذلك العذر كان يواظب على ما وقع منه ، فتكون العشرون مستحبًّا ، وذلك القدر منها هو السّنّة ، كالأربع بعد العشاء مستحبّة وركعتان منها هي السّنّة ، وظاهر كلام المشايخ أنّ السّنّة عشرون ، ومقتضى الدّليل ما قلنا فيكون هو المسنون ، أي فيكون المسنون منها ثماني ركعات والباقي مستحبًّا .
وقال المالكيّة: القيام في رمضان بعشرين ركعةً أو بستّ وثلاثين واسع أي جائز ، فقد كان السّلف من الصّحابة - رضوان الله عليهم - يقومون في رمضان في زمن عمر بن الخطّاب - رضي الله تعالى عنه - في المساجد بعشرين ركعةً ، ثمّ يوترون بثلاث ، ثمّ صلّوا في زمن عمر بن عبد العزيز ستًّا وثلاثين ركعةً غير الشّفع والوتر .
قال المالكيّة: وهو اختيار مالك في المدوّنة ، قال: هو الّذي لم يزل عليه عمل النّاس أي بالمدينة بعد عمر بن الخطّاب ، وقالوا: كره مالك نقصها عمّا جعلت بالمدينة .
وعن مالك - أي في غير المدوّنة - قال: الّذي يأخذ بنفسي في ذلك الّذي جمع عمر عليه النّاس ، إحدى عشرة ركعةً منها الوتر ، وهي صلاة النّبيّ صلى الله عليه وسلم وفي المذهب أقوال وترجيحات أخرى .
وقال الشّافعيّة: ولأهل المدينة فعلها ستًّا وثلاثين ، لأنّ العشرين خمس ترويحات ، وكان أهل مكّة يطوفون بين كلّ ترويحتين سبعة أشواط ، فحمل أهل المدينة بدل كلّ أسبوع ترويحةً ليساووهم ، قال الشّيخان: ولا يجوز ذلك لغيرهم .. وهو الأصحّ كما قال الرّمليّ لأنّ لأهل المدينة شرفًا بهجرته صلى الله عليه وسلم ومدفنه ، وخالف الحليميّ فقال: ومن اقتدى بأهل المدينة فقام بستّ وثلاثين فحسن أيضًا .
وقال الحنابلة: لا ينقص من العشرين ركعةً ، ولا بأس بالزّيادة عليها نصًّا ، قال عبد اللّه بن أحمد: رأيت أبي يصلّي في رمضان ما لا أحصي ، وكان عبد الرّحمن بن الأسود يقوم بأربعين ركعةً ويوتر بعدها بسبع .
قال ابن تيميّة: والأفضل يختلف باختلاف أحوال المصلّين ، فإن كان فيهم احتمال لطول القيام ، فالقيام بعشر ركعات وثلاث بعدها ، كما كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم يصلّي لنفسه في رمضان وغيره هو الأفضل . وإن كانوا لا يحتملونه فالقيام بعشرين هو الأفضل . وهو الّذي يعمل به أكثر المسلمين ، فإنّه وسط بين العشر وبين الأربعين ، وإن قام بأربعين وغيرها جاز ذلك ولا يكره شيء من ذلك . وقد نصّ على ذلك غير واحد من الأئمّة كأحمد وغيره .
قال: ومن ظنّ أنّ قيام رمضان فيه عدد موقّت عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم لا يزاد فيه ولا ينقص منه فقد أخطأ .
الاستراحة بين كلّ ترويحتين:
12 -اتّفق الفقهاء على مشروعيّة الاستراحة بعد كلّ أربع ركعات ، لأنّه المتوارث عن السّلف ، فقد كانوا يطيلون القيام في التّراويح ويجلس الإمام والمأمومون بعد كلّ أربع ركعات للاستراحة .
وقال الحنفيّة: يندب الانتظار بين كلّ ترويحتين ، ويكون قدر ترويحة ، ويشغل هذا الانتظار بالسّكوت أو الصّلاة فرادى أو القراءة أو التّسبيح .
وقال الحنابلة: لا بأس بترك الاستراحة بين كلّ ترويحتين ، ولا يسنّ دعاء معيّن إذا استراح لعدم وروده .
التّسليم في صلاة التّراويح:
13 -ذهب الفقهاء إلى أنّ من يصلّي التّراويح يسلّم من كلّ ركعتين ، لأنّ التّراويح من صلاة اللّيل فتكون مثنى مثنى ، لحديث: « صلاة اللّيل مثنى مثنى » ولأنّ التّراويح تؤدّى بجماعة فيراعى فيها التّيسير بالقطع بالتّسليم على رأس الرّكعتين لأنّ ما كان أدوم تحريمةً كان أشقّ على النّاس .
واختلفوا فيمن صلّى التّراويح ولم يسلّم من كلّ ركعتين:
فقال الحنفيّة: لو صلّى التّراويح كلّها بتسليمة وقعد في كلّ ركعتين فالصّحيح أنّه تصحّ صلاته عن الكلّ ، لأنّه قد أتى بجميع أركان الصّلاة وشرائطها ، لأنّ تجديد التّحريمة لكلّ ركعتين ليس بشرط عندهم ، لكنّه يكره إن تعمّد على الصّحيح عندهم ، لمخالفته المتوارث ، وتصريحهم بكراهة الزّيادة على ثمانٍ في صلاة مطلق التّطوّع فهنا أولى .
وقالوا: إذا لم يقعد في كلّ ركعتين وسلّم تسليمةً واحدةً فإنّ صلاته تفسد عند محمّد ، ولا تفسد عند أبي حنيفة وأبي يوسف ، والأصحّ أنّها تجوز عن تسليمة واحدة ، لأنّ السّنّة أن يكون الشّفع الأوّل كاملًا ، وكماله بالقعدة ولم توجد ، والكامل لا يتأدّى بالنّاقص .
وقال المالكيّة: يندب لمن صلّى التّراويح التّسليم من كلّ ركعتين ، ويكره تأخير التّسليم بعد كلّ أربع ، حتّى لو دخل على أربع ركعات بتسليمة واحدة فالأفضل له السّلام بعد كلّ ركعتين . وقال الشّافعيّة: لو صلّى في التّراويح أربعًا بتسليمة واحدة لم يصحّ ، فتبطل إن كان عامدًا عالمًا ، وإلاّ صارت نفلًا مطلقًا ، وذلك لأنّ التّراويح أشبهت الفرائض في طلب الجماعة فلا تغيّر عمّا ورد . ولم نجد للحنابلة كلامًا في هذه المسألة .
القعود في صلاة التّراويح:
14 -جاء في مذهب الحنفيّة أنّ من يصلّي التّراويح قاعدًا فإنّه يجوز مع الكراهة تنزيهًا لأنّه خلاف السّنّة المتوارثة .