وندب صلاة التّراويح - في البيوت عندهم - مشروط بثلاثة أمور: أن لا تعطّل المساجد ، وأن ينشط لفعلها في بيته ، ولا يقعد عنها ، وأن يكون غير آفاقيّ بالحرمين ، فإن تخلّف شرط كان فعلها في المسجد أفضل ، وقال الزّرقانيّ: يكره لمن في المسجد الانفراد بها عن الجماعة الّتي يصلّونها فيه ، وأولى إذا كان انفراده يعطّل جماعة المسجد .
وقال الشّافعيّة: تسنّ الجماعة في التّراويح على الأصحّ ، لحديث عائشة - رضي الله تعالى عنها - الّذي سبق ذكره ،وللأثر عن عمر - رضي الله تعالى عنه - ولعمل النّاس على ذلك. ومقابل الأصحّ عندهم أنّ الانفراد بصلاة التّراويح أفضل كغيرها من صلاة اللّيل لبعده عن الرّياء .
وقال الحنابلة: صلاة التّراويح جماعةً أفضل من صلاتها فرادى ، قال أحمد: كان عليّ وجابر وعبد اللّه - رضي الله عنهم - يصلّونها في الجماعة .
وفي حديث أبي ذرّ - رضي الله تعالى عنه - « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم جمع أهله ونساءه ، وقال: إنّ الرّجل إذا صلّى مع الإمام حتّى ينصرف كتب له قيام ليلة » .
وقالوا: إن تعذّرت الجماعة صلّى وحده لعموم قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: « من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدّم من ذنبه » .
القراءة وختم القرآن الكريم في التّراويح:
17 -ذهب الحنابلة وأكثر المشايخ من الحنفيّة وهو ما رواه الحسن عن أبي حنيفة إلى أنّ السّنّة أن يختم القرآن الكريم في صلاة التّراويح ليسمع النّاس جميع القرآن في تلك الصّلاة . وقال الحنفيّة: السّنّة الختم مرّةً ، فلا يترك الإمام الختم لكسل القوم ، بل يقرأ في كلّ ركعة عشر آيات أو نحوها ، فيحصل بذلك الختم ، لأنّ عدد ركعات التّراويح في شهر رمضان ستّمائة ركعة ، أو خمسمائة وثمانون ، وآي القرآن الكريم ستّ آلاف وشيء .
ويقابل قول هؤلاء ما قيل: الأفضل أن يقرأ قدر قراءة المغرب لأنّ النّوافل مبنيّة على التّخفيف خصوصًا بالجماعة ، وما قيل: يقرأ في كلّ ركعة ثلاثين آيةً لأنّ عمر - رضي الله تعالى عنه - أمر بذلك ، فيقع الختم ثلاث مرّات في رمضان ، لأنّ لكلّ عشر فضيلةً كما جاءت به السّنّة ، « أوّله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النّار » .
وقال الكاسانيّ: ما أمر به عمر - رضي الله تعالى عنه - هو من باب الفضيلة ، وهو أن يختم القرآن أكثر من مرّة ، وهذا في زمانهم ، وأمّا في زماننا فالأفضل أن يقرأ الإمام على حسب حال القوم ، فيقرأ قدر ما لا ينفّرهم عن الجماعة ، لأنّ تكثير الجماعة أفضل من تطويل القراءة .
ومن الحنفيّة من استحبّ الختم ليلة السّابع والعشرين رجاء أن ينالوا ليلة القدر ، وإذا ختم قبل آخره .. قيل: لا يكره له التّراويح فيما بقي ، قيل: يصلّيها ويقرأ فيها ما يشاء . وصرّح المالكيّة والشّافعيّة بأنّه يندب للإمام الختم لجميع القرآن في التّراويح في الشّهر كلّه، وقراءة سورة في تراويح جميع الشّهر تجزئ ، وكذلك قراءة سورة في كلّ ركعة ، أو كلّ ركعتين من تراويح كلّ ليلة في جميع الشّهر تجزئ وإن كان خلاف الأولى إذا كان يحفظ غيرها أو كان هناك من يحفظ القرآن غيره ، قال ابن عرفة: في المدوّنة لمالك: وليس الختم بسنّة .
وقال الحنابلة: يستحبّ أن يبتدئ التّراويح في أوّل ليلة بسورة القلم: { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ } بعد الفاتحة لأنّها أوّل ما نزل من القرآن ، فإذا سجد للتّلاوة قام فقرأ من البقرة نصّ عليه أحمد ، والظّاهر أنّه قد بلغه في ذلك أثر ، وعنه: أنّه يقرأ بسورة القلم في عشاء الآخرة من اللّيلة الأولى من رمضان .
قال الشّيخ: وهو أحسن ممّا نقل عنه أنّه يبتدئ بها التّراويح ويختم آخر ركعة من التّراويح قبل ركوعه ويدعو ، نصّ عليه .
المسبوق في التّراويح:
18 -قال الحنفيّة: من فاته بعض التّراويح وقام الإمام إلى الوتر أوتر معه ثمّ صلّى ما فاته .
وقال المالكيّة: من أدرك مع الإمام ركعةً فلا يخلو أن تكون من الرّكعتين الأخيرتين من التّرويحة أو من الأوليين ، فإن كانت من الأخيرتين فإنّه يقضي الرّكعة الّتي فاتته بعد سلام الإمام في أثناء فترة الرّاحة ، وإن كانت من الرّكعتين الأوليين فقد روى ابن القاسم عن مالك أنّه لا يسلّم سلامه ولكن يقوم فيصحب الإمام فإذا قام الإمام من الرّكعة الأولى من الأخريين تشهّد وسلّم ثمّ دخل معه في الرّكعتين الأخريين فصلّى منهما ركعةً ثمّ قضى الثّانية منهما حين انفراده بالتّنفّل .
وعند الحنابلة: سئل أحمد عمّن أدرك من ترويحة ركعتين يصلّي إليها ركعتين ؟ فلم ير ذلك، وقال: هي تطوّع .
قضاء التّراويح:
19 -إذا فاتت صلاة التّراويح عن وقتها بطلوع الفجر ، فقد ذهب الحنفيّة في الأصحّ عندهم، والحنابلة في ظاهر كلامهم إلى أنّها لا تقضى ; لأنّها ليست بآكد من سنّة المغرب والعشاء ، وتلك لا تقضى فكذلك هذه .
وقال الحنفيّة: إن قضاها كانت نفلًا مستحبًّا لا تراويح كرواتب اللّيل ، لأنّها منها ، والقضاء عندهم من خواصّ الفرض وسنّة الفجر بشرطها .
ومقابل الأصحّ عند الحنفيّة أنّ من لم يؤدّ التّراويح في وقتها فإنّه يقضيها وحده ما لم يدخل وقت تراويح أخرى ، وقيل: ما لم يمض الشّهر .
ولم نجد تصريحًا للمالكيّة والشّافعيّة في هذه المسألة .
لكن قال النّوويّ: لو فات النّفل المؤقّت ندب قضاؤه في الأظهر .