12 -إذا كان لمكان واحد طريقان مختلفان ، أحدهما يقطعه في ثلاثة أيّام ، والآخر يمكن أن يصل إليه في يوم واحد ، فقد قال أبو حنيفة: يقصر لو سلك الطّريق الأقرب ؛ لأنّه يعتبر مسافرًا ، هكذا ذكر الكاسانيّ في البدائع ، وجاء في العناية: إذا كان لموضع طريقان: أحدهما في الماء يقطع بثلاثة أيّام ولياليها إذا كانت الرّيح متوسّطةً ، والطّريق الثّاني في البرّ يقطع بيوم أو يومين ، فلا يعتبر أحدهما بالآخر ، فإن ذهب إلى طريق الماء قصر ، وإن ذهب إلى طريق البرّ أتمّ ، ولو انعكس انعكس الحكم .
وقال المالكيّة: لا يقصر عادل عن طريق قصير ، وهو ما دون مسافة القصر إلى طريق طويل فيه المسافة بدون عذر ، بل لمجرّد قصد القصر ، أو لا قصد له ، فإن عدل لعذر أو لأمر ، ولو مباحًا فيما يظهر قصر . وبمثل ذلك يقول الشّافعيّة .
والحنابلة يجيزون القصر لمن سلك الطّريق الأبعد مع وجود الأقرب ، ولو لغير عذر .
الحكم بالنّسبة لوسائل السّفر الحديثة:
13 -معلوم ممّا سبق: أنّ الفقهاء حدّدوا أقلّ المسافة الّتي تشترط لقصر الصّلاة ، وأنّهم اعتبروا السّير الوسط"مشي الأقدام وسير الإبل"هو الأساس في التّقدير، والمقصود - هنا- هو معرفة الحكم إذا استعملت وسائل السّفر الحديثة كالقطار والطّائرة ، حيث الرّاحة وقصر المدّة .
وقد تحدّث الفقهاء في ذلك: فعند المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة - كما يتّضح من أقوالهم - أنّ المسافر لو قطع مسافة السّفر المحدّدة في زمن أقلّ ؛ لاستعماله وسائل أسرع فإنّه يقصر الصّلاة ؛ لأنّه يصدق عليه أنّه سافر مسافة القصر .
فقد قال الدّسوقيّ: من كان يقطع المسافة بسفره قصر ، ولو كان يقطعها في لحظة بطيران ونحوه .
وقال النّوويّ: يقصر المسافر ، ولو قطع المسافة في ساعة .
وقال الخطيب الشّربينيّ: يقصر المسافر ، لو قطع المسافة في بعض يوم كما لو قطعها على فرس جواد .
وقال البهوتيّ: يقصر المسافر الرّباعيّة إلى ركعتين إجماعًا ، ولو قطع المسافة في ساعة واحدة ؛ لأنّه صدق عليه أنّه يسافر أربعة برد"مسافة القصر".
وقد اختلف النّقل عند الحنفيّة ، فنقل الكاسانيّ في بدائعه ما روي عن أبي حنيفة: من أنّ المسافر لو سار إلى موضع في يوم أو يومين ، وأنّه بسير الإبل ، والمشي المعتاد ثلاثة أيّام فإنّه يقصر ، اعتبارًا للسّير المعتاد .
وهذا القول يوافق المذاهب السّابقة ؛ لأنّ أبا حنيفة اعتبر أنّ العلّة هي قطع المسافة .
لكن الكمال بن الهمام: اعتبر أنّ العلّة لقصر الصّلاة في السّفر هي المشقّة الّتي تلحق بالمسافر ، ولذلك يذكر: أنّ المسافر لو قطع المسافة في ساعة فإنّه لا يقصر الصّلاة ، وإن كان يصدق عليه أنّه قطع مسافة ثلاثة أيّام بسير الإبل ؛ لانتفاء مظنّة المشقّة ، وهي العلّة .
العبرة بنيّة الأصل دون التّبع:
14 -المعتبر في نيّة السّفر الشّرعيّ نيّة الأصل دون التّابع ، فمن كان سفره تابعًا لغيره فإنّه يصير مسافرًا بنيّة ذلك الغير ، وذلك كالزّوجة التّابعة لزوجها ؛ فإنّها تصير مسافرةً بنيّة زوجها ، وكذلك من لزمه طاعة غيره كالسّلطان وأمير الجيش ، فإنّه يصير مسافرًا بنيّة من لزمته طاعته ؛ لأنّ حكم التّبع حكم الأصل .
أمّا الغريم الّذي يلازمه صاحب الدّين ، فإن كان مليئًا ، فالنّيّة له ؛ لأنّه يمكنه قضاء الدّين ، والخروج من يده ، وإن كان الغريم مفلسًا ، فالنّيّة لصاحب الدّين ؛ لأنّه لا يمكنه الخروج من يده ، فكان تابعًا له . هذا مذهب الحنفيّة والحنابلة .
ويقول الشّافعيّة: لو تبعت الزّوجة زوجها ، أو الجنديّ قائده في السّفر ، ولا يعرف كلّ واحد منهم مقصده فلا قصر لهم ؛ لأنّ الشّرط - وهو قصد موضع معيّن - لم يتحقّق ، وهذا قبل بلوغهم مسافة القصر ، فإن قطعوها قصروا .
فلو نوت الزّوجة دون زوجها ، أو الجنديّ دون قائده مسافة القصر ، أو جهلا الحال قصر الجنديّ غير المثبت في الدّيوان ، دون الزّوجة ؛ لأنّ الجنديّ حينئذ ليس تحت يد الأمير وقهره ، بخلاف الزّوجة ، فنيّتها كالعدم .
أمّا الجنديّ المثبت في الدّيوان فلا يقصر ؛ لأنّه تحت يد الأمير ، ومثله الجيش ، إذ لو قيل: بأنّه ليس تحت يد الأمير وقهره كالآحاد لعظم الفساد .
أحكام القصر:
مشروعيّة القصر:
15 -القصر معناه: أن تصير الصّلاة الرّباعيّة ركعتين في السّفر ، سواء في حالة الخوف، أو في حالة الأمن . وقد شرع القصر في السّنة الرّابعة من الهجرة .
ومشروعيّة القصر ثابتة بالكتاب والسّنّة والإجماع . أمّا الكتاب فقوله تعالى: { وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ } . وأمّا السّنّة: فما ورد عن يعلى بن أميّة قال: « قلت لعمر بن الخطّاب: { فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ } ، فقد أمن النّاس . قال: عجبت ممّا عجبت منه ، فسألت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: صدقة تصدّق اللّه بها عليكم فاقبلوا صدقته » .
وقال ابن عمر - رضي الله عنهما -: « صحبت النّبيّ صلى الله عليه وسلم فكان لا يزيد في السّفر على ركعتين » ، وأبا بكر وعمر وعثمان كذلك . وغير ذلك من الأحاديث والآثار.
فالآية الكريمة دلّت على مشروعيّة القصر في حالة الخوف، ودلّت الأحاديث على مشروعيّته في حالتي الخوف والأمن .
وقد أجمعت الأمّة على مشروعيّة القصر .
الحكم التّكليفيّ للقصر: