أَنْوَاعُ الْقِرَاءَاتِ: 5 - قَالَ الْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدٍ مَكِّيٌّ: جَمِيعُ مَا رُوِيَ فِي الْقُرْآنِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ يُقْرَأُ بِهِ الْيَوْمَ , وَذَلِكَ مَا اجْتَمَعَ فِيهِ ثَلَاثُ خِلَالٍ وَهُنَّ: أَنْ يُنْقَلَ عَنْ الثِّقَاتِ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَيَكُونَ وَجْهُهُ فِي الْعَرَبِيَّةِ الَّتِي نَزَلَ بِهَا الْقُرْآنُ سَائِغًا , وَيَكُونَ مُوَافِقًا لِخَطِّ الْمُصْحَفِ , فَإِذَا اجْتَمَعَتْ فِيهِ هَذِهِ الْخِلَالُ الثَّلَاثُ قُرِئَ بِهِ , وَقُطِعَ عَلَى مَغِيبِهِ وَصِحَّتِهِ وَصِدْقِهِ ; لِأَنَّهُ أُخِذَ عَنْ إجْمَاعٍ مِنْ جِهَةِ مُوَافَقَةِ خَطِّ الْمُصْحَفِ , وَكَفَرَ مَنْ جَحَدَهُ . وَالْقِسْمُ الثَّانِي: مَا صَحَّ نَقْلُهُ عَنْ الْآحَادِ , وَصَحَّ وَجْهُهُ فِي الْعَرَبِيَّةِ , وَخَالَفَ لَفْظُهُ خَطَّ الْمُصْحَفِ , فَهَذَا يُقْبَلُ وَلَا يُقْرَأُ بِهِ لِعِلَّتَيْنِ: إحْدَاهُمَا: أَنَّهُ لَمْ يُؤْخَذْ بِإِجْمَاعٍ , إنَّمَا أُخِذَ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ , وَلَا يَثْبُتُ قُرْآنٌ يُقْرَأُ بِهِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ . وَالْعِلَّةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا قَدْ أُجْمِعَ عَلَيْهِ , فَلَا يُقْطَعُ عَلَى مَغِيبِهِ وَصِحَّتِهِ , وَمَا لَمْ يُقْطَعْ عَلَى صِحَّتِهِ لَا يَجُوزُ الْقِرَاءَةُ بِهِ , وَلَا يَكْفُرُ مَنْ جَحَدَهُ , وَلَبِئْسَ مَا صَنَعَ إذَا جَحَدَهُ . وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: هُوَ مَا نَقَلَهُ غَيْرُ ثِقَةٍ , أَوْ نَقَلَهُ ثِقَةٌ وَلَا وَجْهَ لَهُ فِي الْعَرَبِيَّةِ , فَهَذَا لَا يُقْبَلُ وَإِنْ وَافَقَ خَطَّ الْمُصْحَفِ . وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ الْجَزَرِيِّ وَالسُّيُوطِيُّ كَلَامَ أَبِي مُحَمَّدٍ مَكِّيٍّ . 6 - وَتَنْقَسِمُ الْقِرَاءَاتُ مِنْ حَيْثُ السَّنَدُ إلَى الْأَنْوَاعِ الْآتِيَةِ: الْأَوَّلُ: الْمُتَوَاتِرُ , وَهُوَ مَا نَقَلَهُ جَمْعٌ لَا يُمْكِنُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ , عَنْ مِثْلِهِمْ إلَى مُنْتَهَاهُ , وَغَالِبُ الْقِرَاءَاتِ كَذَلِكَ . الثَّانِي: الْمَشْهُورُ , وَهُوَ مَا صَحَّ سَنَدُهُ وَلَمْ يَبْلُغْ دَرَجَةَ الْمُتَوَاتِرِ , وَوَافَقَ الْعَرَبِيَّةَ وَالرَّسْمَ , وَاشْتَهَرَ عِنْدَ الْقُرَّاءِ فَلَمْ يَعُدُّوهُ مِنْ الْغَلَطِ , وَلَا مِنْ الشُّذُوذِ , وَيُقْرَأُ بِهِ , وَمِثَالُهُ مَا اخْتَلَفَتْ الطُّرُقُ فِي نَقْلِهِ عَنْ السَّبْعَةِ , فَرَوَاهُ بَعْضُ الرُّوَاةِ عَنْهُمْ دُونَ بَعْضٍ . الثَّالِثُ: الْآحَادُ , وَهُوَ مَا صَحَّ سَنَدُهُ , وَخَالَفَ الرَّسْمَ أَوْ الْعَرَبِيَّةَ , أَوْ لَمْ يَشْتَهِرْ الِاشْتِهَارَ الْمَذْكُورَ , وَلَا يُقْرَأُ بِهِ , وَقَدْ عَقَدَ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ وَالتِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ لِذَلِكَ بَابًا أَخْرَجَا فِيهِ شَيْئًا كَثِيرًا صَحِيحَ الْإِسْنَادِ . الرَّابِعُ: الشَّاذُّ , وَهُوَ مَا لَمْ يَصِحَّ سَنَدُهُ . الْخَامِسُ: الْمَوْضُوعُ , كَقِرَاءَاتِ الْخُزَاعِيِّ . قَالَ السُّيُوطِيّ: وَظَهَرَ لِي سَادِسٌ يُشْبِهُ مِنْ أَنْوَاعِ الْحَدِيثِ الْمُدْرَجِ , وَهُوَ مَا زِيدَ فِي الْقِرَاءَاتِ عَلَى وَجْهِ التَّفْسِيرِ , كَقِرَاءَةِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ( وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ مِنْ أُمٍّ ) , وَقِرَاءَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ ( لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فِي مَوَاسِمِ الْحَجِّ )
الْقِرَاءَاتُ الْمُتَوَاتِرَةُ وَالشَّاذَّةُ: 7 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْمُتَوَاتِرِ مِنْ الْقِرَاءَاتِ . فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ فِي الصَّحِيحِ , وَالْمَالِكِيَّةُ عَلَى الْمَشْهُورِ , وَالْحَنَابِلَةُ , إلَى أَنَّ الْقِرَاءَاتِ الْمُتَوَاتِرَةَ هِيَ قِرَاءَاتُ قُرَّاءِ الْإِسْلَامِ الْمَشْهُورِينَ الْعَشَرَةِ . قَالَ ابْنُ عَابِدِينَ: الْقُرْآنُ الَّذِي تَجُوزُ بِهِ الصَّلَاةُ بِالِاتِّفَاقِ هُوَ الْمَضْبُوطُ فِي الْمَصَاحِفِ الْأَئِمَّةِ الَّتِي بَعَثَ بِهَا عُثْمَانُ رضي الله عنه إلَى الْأَمْصَارِ , وَهُوَ الَّذِي أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ الْعَشَرَةُ , وَهَذَا هُوَ الْمُتَوَاتِرُ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا , فَمَا فَوْقَ السَّبْعَةِ إلَى الْعَشَرَةِ غَيْرُ شَاذٍّ , وَإِنَّمَا الشَّاذُّ مَا وَرَاءَ الْعَشَرَةِ , وَهُوَ الصَّحِيحُ . وَقَالَ الْعَدَوِيُّ: الشَّاذُّ عِنْدَ ابْنِ السُّبْكِيّ مَا وَرَاءَ الْعَشَرَةِ , وَعِنْدَ ابْنِ الْحَاجِبِ فِي أُصُولِهِ مَا وَرَاءَ السَّبْعَةِ , وَقَوْلُ ابْنِ السُّبْكِيّ هُوَ الصَّحِيحُ فِي الْأُصُولِ , وَقَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ مَرْجُوعٌ فِيهِ . وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إلَى أَنَّ الْقِرَاءَاتِ الْمُتَوَاتِرَةَ هِيَ سَبْعٌ فَقَطْ , وَهِيَ قِرَاءَاتُ أَبِي عَمْرٍو , وَنَافِعٍ , وَابْنِ كَثِيرٍ , وَابْنِ عَامِرٍ , وَعَاصِمٍ , وَحَمْزَةَ , وَالْكِسَائِيِّ , وَمَا وَرَاءَ السَّبْعَةِ شَاذٌّ وَذَهَبَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ إلَى أَنَّ الشَّاذَّ مَا وَرَاءَ الْعَشَرَةِ , وَصَوَّبَهُ ابْنُ السُّبْكِيّ وَغَيْرُهُ .