فهرس الكتاب

الصفحة 1705 من 2053

وقال الشّافعيّة: لا بدّ أن يكون الموجود مدفونًا , فلو وجده ظاهرًا وعلم أنّ السّيل أو السّبع أو نحو ذلك أظهره فركاز , أو علم أنّه كان ظاهرًا فلقطة , فإن شكّ كان لقطةً كما لو تردّد في كونه ضرب الجاهليّة أو الإسلام , قاله الماورديّ .

وقد ورد في سنّة النّبيّ صلى الله عليه وسلم الإشارة إلى هذا النّوع من الكنوز بهذا الاصطلاح الّذي اتّبعه الفقهاء فيما بعد , فعن عبد اللّه بن عمرو بن العاص: « أنّ رجلًا من مزينة سأل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول اللّه الكنز نجده في الخرب وفي الآرام ، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: فيه وفي الرّكاز الخمس » .

والضّابط في التحاق ما يكتشف من الأموال بكنوز الجاهليّة أن يعلم أنّها من دفنهم , ولم تدخل في ملك أحدٍ من المسلمين ولا من أهل الذّمّة , وإنّما يظن ذلك ظنًا غالبًا بأن تكون عليه علاماتهم أو نقوشهم أو أي شيءٍ آخر يدل عليهم , جاء في المغني اعتبار الكنز دفنًا جاهليًا بأن ترى عليه علاماتهم كأسماء ملوكهم وصورهم وصلبهم وصور أصنامهم ونحو ذلك .

ومن هذه العلامات فيما نصّ عليه البعض أن يوجد في قبورهم , أو أن يوجد في قلاعهم وخرائبهم .

وحكم هذا الكنز وجوب الخمس فيه باتّفاق الفقهاء إذا توافرت شروطه للنّصّ على هذا الوجوب .

ج - الكنز المشتبه الأصل:

6 -وهو النّوع الثّالث من الكنوز فهي الّتي لا نعرف حقيقتها , بأن لا يوجد عليها أثر مطلقًا كتبرٍ وآنيةٍ وحليٍّ , أو كان عليها أثر لا يكشف عن أصلها , كما إذا كانت نقدًا يضرب مثله في الجاهليّة والإسلام .

وإنّما يصدق هذا إذا لم يمكن معرفة حقيقة الكنز من المكان الّذي وجد فيه , كما إذا وجد في قريةٍ لم يسكنها مسلم فإنّه يعد جاهليًا , وإذا كان المسلمون هم الّذين اختطوها ولم يسكنها جاهلي فإنّ الموجود يعد كنزًا إسلاميًا .

واختلف الفقهاء في حكم هذا الكنز , فألحقه الحنفيّة في ظاهر المذهب والمالكيّة والحنابلة وهو قول عند الشّافعيّة بكنوز الجاهليّة فيعطى حكم الرّكاز .

وألحقه بعض الحنفيّة والشّافعيّة في الأصحّ بالكنوز الإسلاميّة فيعطى حكم اللقطة .

ثانيًا: تقسيم الكنز الجاهليّ بالنّظر إلى الدّار الّتي وجد فيها:

يفرّق الفقهاء بين الكنز الّذي يجده الواجد في دار الإسلام , وبين ذلك الّذي يوجد في دار الحرب , وفيما يلي بيان هذا التّقسيم .

النّوع الأوّل: الكنز الّذي يوجد في دار الإسلام:

7 -تختلف أحكام الكنوز الّتي توجد في دار الإسلام تبعًا لاختلاف ملكيّة الأرض الّتي وجدت فيها وسبيل هذه الملكيّة , ويختلف النّظر الفقهي إلى ما يوجد من هذه الكنوز في أرضٍ لا مالك لها , أو في طريقٍ غير مسلوكٍ , أو في أرضٍ ملكها صاحبها بشراءٍ أو بميراثٍ , أو في أرضٍ ملكها صاحبها بالإحياء , على التّفصيل التّالي بين هذه الأنواع:

أ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ الكنز الجاهليّ الّذي يوجد في مواتٍ أو في أرضٍ لا يعلم لها مالك مثل الأرض الّتي توجد فيها آثار الملك كالأبنية القديمة والتلول وجدران الجاهليّة وقبورهم ، فهذا فيه الخمس ولو وجده في هذه الأرض على وجهها أو في طريقٍ غير مسلوكٍ أو في قريةٍ خرابٍ فهو كذلك في الحكم , لما روى عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جدّه قال: « سئل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن اللقطة فقال: ما كان في طريقٍ مأتيٍّ أو في قريةٍ عامرةٍ فعرّفها سنةً ، فإن جاء صاحبها وإلا فلك ، وما لم يكن في طريقٍ مأتيٍّ ولا في قريةٍ عامرةٍ ففيه وفي الرّكاز الخمس » .

ومنه كذلك ما يوجد في بلاد الإسلام في أرضٍ غير مملوكةٍ لأحدٍ كالجبال والمفاوز .

وقال الشّافعيّة: يملك الواجد الرّكاز وتلزمه الزّكاة فيه إذا وجده في مواتٍ أو في خرائب أهل الجاهليّة أو قلاعهم أو قبورهم .

ب - وأمّا ما يوجد من الكنوز في أرضٍ أو دارٍ يملكها الواجد نفسه بشراءٍ أو ميراثٍ أو هبةٍ فالاتّفاق على وجوب الخمس باعتباره كان مال الكفرة استولى عليه على طريق القهر فيخمّس .

وأمّا الأربعة الأخماس الباقية فهي لصاحب الخطّة عند أبي حنيفة ومحمّدٍ إن كان حيًا , وإن كان ميّتًا فلورثته إن عرفوا , وإن كان لا يعرف صاحب الخطّة ولا ورثته تكون لأقصى مالكٍ للأرض أو لورثته .

وقال أبو يوسف: أربعة أخماسه للواجد .

وذهب أبو حنيفة ومحمّد إلى أنّ ملكيّة الأخماس الأربعة في الكنز الموجود في أرضٍ مملوكةٍ للواجد أو غيره ليست للواجد ولا لمالك الأرض , وإنّما يرجع هذا الملك إلى المختطّ له الأوّل الّذي انتقلت إليه ملكيّة الأرض بما فيها بعد تقسيم الإمام لها عقب فتحها على أيدي الجيش المسلم , ويعرّف المرغيناني المختطّ له بأنّه هو الّذي ملّكه الإمام هذه البقعة أوّل الفتح , ويعقّب الكمال على هذا بقوله: لا نقول إنّ الإمام يملّك المختطّ له الكنز بالقسمة , بل يملّكه البقعة ويقرّر يده فيها ويقطع مزاحمة سائر الغانمين فيها , وإذا صار مستوليًا عليها أقوى الاستيلاءات , وهو بيد خصوص الملك السّابقة فيملك بها ما في الباطن من المال المباح , للاتّفاق على أنّ الغانمين لم يعتبر لهم ملك في هذا الكنز بعد الاختطاط , وإلا لوجب صرفه إليهم أو إلى ذراريّهم , فإن لم يعرفوا وضع في بيت المال واللازم منتفٍ , ثمّ إذا ملكه - أي الكنز - لم يصر مباحًا فلا يدخل في بيع الأرض , فلا يملكه مشتري الأرض كالدرّة في بطن السّمكة يملكها الصّائد لسبق يد الخصوص إلى السّمكة حال إباحتها , ثمّ لا يملكها مشتري السّمكة لانتفاء الإباحة , وما ذكر في السّمكة من الإطلاق ظاهر الرّواية .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت