ثالثًا: كيفيّة صلاة المريض واستقبال القبلة:
9 -الأصل في المصلّي أن يصلّي قائمًا غير مستندٍ إلى شيءٍ , فإن تعذّر عليه القيام لمرض صلّى قائمًا مستندًا , ثمّ جالسًا مستقبلًا , ثمّ جالسًا مستندًا , ثمّ مضطجعًا على جنبه الأيمن مستقبل القبلة بوجهه , ثمّ مستلقيًا على ظهره مستقبل القبلة برجليه , ثمّ مضطجعًا على جنبه الأيسر , ويومئ بالركوع والسجود في الاضطجاع والاستلقاء . فإن لم يقدر على شيءٍ وكان عقله ثابتًا: فذهب المالكيّة والشّافعيّة وجمهور الحنابلة في المذهب إلى أنّه ينوي الصّلاة بقلبه مع الإيماء بطرفه لقوله صلّى اللّه عليه وسلّم: « إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم » , ولوجود مناط التّكليف الّذي هو العقل .
وذهب الحنفيّة - ما عدا زفر - وهو قول عند المالكيّة , ورواية عن أحمد اختارها ابن تيميّة إلى أنّه إن تعذّر الإيماء برأسه تسقط عنه الصّلاة لأنّ مجرّد العقل لا يكفي لتوجه الخطاب .
وقال - زفر من الحنفيّة - إنّه إن تعذّر الإيماء برأسه يومئ بحاجبيه فإن عجز فبعينيه , وإن عجز فبقلبه .
إلا أنّ سقوط الصّلاة عند جمهور الحنفيّة مقيّد بكثرة الفوائت على يومٍ وليلةٍ , أمّا لو كانت يومًا وليلةً أو أقلّ وهو يعقل فلا تسقط بل تقضى إذا صحّ اتّفاقًا , ولو مات ولم يقدر على الصّلاة لم يلزمه القضاء حتّى لا يلزمه الإيصاء بها , كالمسافر إذا أفطر ومات قبل الإقامة . وكذلك لو اشتبه على المريض أعداد الرّكعات والسّجدات بأن وصل إلى حالٍ لا يمكنه ضبط ذلك , فصرّح الحنفيّة على أنّه لا يلزمه الأداء , ولو أدّاها بتلقين غيره فينبغي أن يجزئه . وصرّح الحنفيّة بأنّ المريض يفعل في صلاته من القراءة والتّسبيح والتّشهد ما يفعله الصّحيح , لأنّ مفارقة المريض الصّحيح فيما هو عاجز عنه , وأمّا فيما يقدر عليه فهو كالصّحيح .
وإن قضى المريض فوائت الصّحّة في المرض , قضاها كما قدر قاعدًا أو مومئًا .
وإن صلّى قبل الوقت خطأً أو عمدًا مخافة أن يشغله المرض عن الصّلاة إذا حان الوقت , لم يجزئه , وكذلك لو صلّى بغير قراءةٍ أو بغير وضوءٍ .
وإذا كان المريض على فراشٍ نجسٍ إن كان لا يجد فراشًا طاهرًا , أو يجده لكن لا يجد أحدًا يحوّله إلى فراشٍ طاهرٍ , يصلّي على الفراش النّجس , وإن كان يجد أحدًا يحوّله , ينبغي أن يأمره بذلك , فإن لم يأمره , وصلّى على الفراش النّجس لا تجوز صلاته .
وإن كانت تحته ثياب نجسة , وكان بحال لا يبسط شيء إلا ويتنجّس من ساعته يصلّي على حاله , وكذا إذا لم يتنجّس الثّاني لكن تلحقه زيادة مشقّةٍ بالتّحويل .
وتفصيل الكلام على كيفيّة صلاة المريض من قيامٍ وجلوسٍ واضطجاعٍ وغيرها وكذلك الكلام على العجز المؤقّت , وطمأنينة المريض سبق ذكره في مصطلح: ( صلاة المريض ف 2 - 16 ) .
وأمّا العجز عن استقبال القبلة لأجل المرض فينظر في مصطلح: ( استقبال ف 38 , صلاة المريض ف 11 ) .
رابعًا: التّخلف عن الجماعة وصلاة الجمعة والعيدين:
10 -قال ابن المنذر: لا أعلم خلافًا بين أهل العلم: أنّ للمريض أنّ يتخلّف عن الجماعات من أجل المرض , واستدلوا بما ورد أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: « من سمع المنادي فلم يمنعه من اتّباعه عذر , قالوا: وما العذر ؟ قال: خوف أو مرض لم تقبل منه الصّلاة الّتي صلّى » .
وقد كان بلال رضي الله عنه يؤذّن بالصّلاة , ثمّ يأتي النّبي صلى الله عليه وسلم وهو مريض فيقول: « مروا أبا بكرٍ فليصلّ بالنّاس » .
وكل ما أمكن تصوره في الجمعة من الأعذار المرخّصة في ترك الجماعة , يرخّص في ترك الجمعة , إذ لا خلاف بين الفقهاء في أنّ الصّحّة شرط من شروط وجوب صلاة الجمعة . والمراد بالمرض هنا بصفة عامّةٍ هو المرض الّذي يشق معه الإتيان إلى المسجد , وأمّا إن شقّ عليه معه الإتيان ماشيًا لا راكبًا فاختلف الفقهاء على النّحو التّالي:
صرّح المالكيّة والشّافعيّة ومحمّد من الحنفيّة بأنّه يلزمه الإتيان , وقيّده المالكيّة بما إذا كانت الأجرة غير مجحفةٍ وإلا لم تجب عليه .
وذهب جمهور الحنفيّة إلى أنّه لا يجب عليه الحضور إلى الجماعة والجمعة في هذه الحالة , وقيل: لا يجب عند الحنفيّة اتّفاقًا كالمقعد .
وفرّق الحنابلة بين الجمعة والجماعة فقالوا: إن تبرّع أحد بأن يركبه لزمته الجمعة لعدم تكررها دون الجماعة .
ولو حضر المريض الجمعة , تنعقد به , وإذا أدّاها أجزأه عن فرض الوقت , لأنّ سقوط فرض السّعي عنه لم يكن لمعنىً في الصّلاة بل للحرج والضّرر , فإذا تحمّل , التحق في الأداء بغيره , وصار كمسافر صام .
وصرّح الشّافعيّة: بأنّه لا يجوز له الانصراف إذا حضر الجامع بعد دخول الوقت بل تلزمه الجمعة , لأنّ المانع من وجوب الجمعة المشقّة في حضور الجامع وقد حضر متحمّلًا لها , وإن كان يتخلّل زمن بين دخول الوقت والصّلاة , فإن لم يلحقه مزيد مشقّةٍ في الانتظار لزمه وإلا لا .
ويندب للمريض الّذي يتوقّع الخفّة قبل فوات الجمعة تأخير ظهره إلى اليأس من إدراك الجمعة , ويحصل اليأس برفع الإمام رأسه من ركوع الثّانية , لأنّه قد يزول عذره قبل ذلك فيأتي بها كاملًا , فلو لم يؤخّر , وزال عذره بعد فعله الظهر لم تلزمه الجمعة وإن تمكّن منها .
ويندب لغيره ممّن لا يمكن زوال عذره كالمرأة والزّمن تعجيل الظهر ليحوز فضيلة أوّل الوقت .
والمرضى إذا فاتتهم الجمعة يصلونها ظهرًا فرادى , وتكره لهم الجماعة .
وخصّ بعض الفقهاء بعض الأمراض بالذّكر في التّخلف عن الجماعة: