فهرس الكتاب

الصفحة 1866 من 2053

وإذا انقلب القصاص إلى مال بعفو الورثة إليه , فإنّ ذلك المال يكون للموروث أوّلًا , فتقضى منه ديونه , وتنفذ منه وصاياه , وما بقي يكون لورثته .

والثّاني: للمالكيّة والشّافعيّة في قول وأحمد في رواية عنه اختارها ابن تيميّة وهو أنّ القصاص حق للمجنيّ عليه ابتداءً ثمّ ينتقل إلى العصبات الذكور من ورثته خاصّةً , لأنّه ثبت لدفع العار , فاختصّ به العصبات , كولاية النّكاح .

والثّالث: لأبي حنيفة وهو أنّ القصاص ليس موروثًا عن المجنيّ عليه , بل هو ثابت ابتداءً للورثة , لأنّ الغرض منه التّشفّي ودرك الثّأر , والميّت لا يجب له إلّا ما يصلح لحاجته من تجهيزه وقضاء دينه وتنفيذ وصيّته , والقصاص لا يصلح لشيء من ذلك , ثمّ إنّ الجناية قد وقعت على ورثته من وجهٍ , لانتفاعهم بحياته , فإنّهم كانوا يستأنسون به وينتصرون , وينتفعون بماله عند الحاجة , ولذا وجب القصاص للورثة ابتداءً , لحصول التّشفّي لهم ولوقوع الجناية على حقّهم , لا أن يثبت للميّت ثمّ ينتقل إليهم حتّى يجري فيه التّوارث كما في سائر حقوقه , ولكن إذا انقلب ذلك الحق مالًا , فإنّه يصير عندئذٍ موروثًا , لأنّ ثبوت القصاص حقًا للورثة ابتداءً إنّما كان لضرورة عدم صلوحه لحاجة الميّت , فإذا انقلب مالًا بالصلح عليه أو العفو إلى الدّية - والمال يصلح لحوائج الميّت من التّجهيز وقضاء الديون وتنفيذ الوصايا - ارتفعت الضّرورة , وصار الواجب كأنّه هو المال , إذ الخَلَفُ إنّما يجب بالسّبب الّذي يجب به الأصل , فيثبت الفاضل عن حوائج الميّت لورثته خلافةً لا أصالةً .

أمّا حق القصاص فيما دون النّفس , فقد ذهب جمهور الفقهاء من الحنفيّة والشّافعيّة والمالكيّة والحنابلة إلى أنّه يورث عن المجنيّ عليه ولا يسقط بوفاته قبل استيفائه , وثبوته لورثته إنّما هو على سبيل الميراث عنه لا ابتداءً , وهناك رواية عن الإمام أحمد أنّ حقّ القصاص في الأطراف لا ينتقل إلى الورثة إلّا إذا طالب به المجني عليه قبل موته , أمّا إذا لم يطالب فيه , فإنّه يسقط وينتهي بوفاته .

حادي عشر - حق الموصى له في قبول الوصيّة:

49 -ذهب جمهور الفقهاء من الحنفيّة والشّافعيّة والمالكيّة والحنابلة إلى أنّ قبول الوصيّة من الموصى له المعيّن شرطٌ لثبوت الملك له , وأنّ له الحقّ في قبوله أو ردّها بحسب مشيئته .

ولكن إذا مات الموصى له بعد الموصي وقبل صدور القبول أو الرّدّ منه , فهل ينتقل ذلك الحق لورثته أم يسقط بموته ؟ اختلف الفقهاء في ذلك على ثلاثة أقوال:

الأوّل: للشّافعيّة والمالكيّة والحنابلة , وهو أنّ حقّ القبول أو الرّدّ في الوصيّة ينتقل لورثة الموصى له إذا مات بعد الموصي من غير قبول أو رد , لأنّه حق موروثٌ , فلا يسقط بموته, بل يثبت للورثة , فإن شاءوا قبلوا وإن شاءوا ردُّوا .

واستثنى المالكيّة من ذلك ما إذا كانت الوصيّة له بعينه وشخصه , فحينئذٍ تسقط بموته , ولا ينتقل ذلك الحق إلى ورثته .

الثّاني: للحنفيّة وبعض المالكيّة , وهو أنّ الموصى له إذا مات قبل القبول أو الرّدّ بعد وفاة الموصي , فإنّ الموصى به يدخل في ملكه دون حاجة إلى قبول الورثة , لأنّ القبول عندهم هو عبارة عن عدم الرّدّ , فمتى وقع اليأس عن ردّ الموصى له أعتبر قابلًا حكمًا .

الثّالث: للأبهريّ من المالكيّة وأحمد في رواية عنه أخذ بها ابن حامد ووصفها القاضي بأنّها قياس المذهب , وهي أنّ الوصيّة تبطل بموت الموصى له قبل قبوله , لأنّها عقد يفتقر إلى القبول , فإذا مات من له حق القبول قبله بطل العقد , كالهبة , ولأنّه خيار لا يعتاض عنه , فيبطل بالموت , كخيار المجلس والشّرط وخيار الأخذ بالشّفعة .

ثاني عشر - حق الموهوب له في قبول الهبة وقبضها:

50 -اختلف الفقهاء فيما إذا مات الموهوب له قبل القبول , هل تبطل الهبة بموته , أم أنّ حقّ القبول ينتقل إلى ورثته ؟ وذلك على قولين:

أحدهما: للحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة , وهو أنّ الموهوب له إذا مات قبل القبول بطلت الهبة , ولم يكن لورثته حق القبول من بعده , أشبه ما لو أوجب البيع فمات المشتري قبل القبول .

وإذا مات بعد القبول وقبل القبض , فإنّ الهبة تبطل أيضًا عند الحنفيّة والحنابلة وبعض الشّافعيّة , لأنّها لا تلزم ولا ينتقل الملك فيها إلّا بالقبض , وقد انعدم ذلك بموت الموهوب له قبله , ولأنّ الهبة صلة , والصّلات تبطل بالموت قبل القبض , ولأنّها عقد جائزٌ قبله , فبطل بموت أحد العاقدين , كالوكالة والشّركة .

وخالفهم في ذلك الشّافعيّة في المعتمد , حيث نصوا على عدم انفساخ الهبة بموت المتّهب قبل القبض , لأنّه عقد يئُول إلى اللزوم , فلم يبطل بالموت , كالبيع بشرط الخيار , ويقوم وارث المتّهب مقام مورّثه في القبض .

والثّاني: للمالكيّة , وهو أنّ الموهوب له إذا مات ولم يكن يعلم بالهبة , فإنّها لا تبطل , ويقوم ورثته مقامه في القبول أو الرّدّ , إلّا إذا كان الواهب يقصد شخص الموهوب له وذاته لفظًا أو بدلالة , قرائن الأحوال , فحينئذٍ تبطل الهبة بموته قبل القبول , لأنّ الحقّ ههنا شخصيّ , فينتهي بموت صاحبه , ولا ينتقل إلى ورثته .

أمّا إذا مات الموهوب له بعد علمه بالهبة , ولم يظهر منه رد حتّى مات , فإنّه يعتبر قابلًا حكمًا , ويقوم ورثته مقامه في القبض , وكذا إذا قبل صراحةً , ولكنّه لم يقبض الهبة حتّى وافته المنيّة , فيورث عنه حق قبضها .

ثالث عشر - حق الواهب في الرجوع في الهبة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت