فهرس الكتاب

الصفحة 196 من 2053

الِارْتِفَاقُ بِالْمَنَافِعِ الْعَامَّةِ وَالْأَوْلَوِيَّةُ فِيهِ: 8 - صَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ: يَجُوزُ الِارْتِفَاقُ بِالْقُعُودِ فِي الْوَاسِعِ مِنْ الشَّوَارِعِ وَالطُّرُقَاتِ وَالرِّحَابِ بَيْنَ الْعُمْرَانِ لِلْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَضِيقُ عَلَى أَحَدٍ , وَلَا يَضُرُّ بِالْمَارَّةِ , لِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْأَمْصَارِ فِي جَمِيعِ الْأَعْصَارِ عَلَى إقْرَارِ النَّاسِ عَلَى ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ إنْكَارٍ , وَلِأَنَّهُ ارْتِفَاقٌ مُبَاحٌ مِنْ غَيْرِ إضْرَارٍ , فَلَمْ يُمْنَعْ مِنْهُ كَالِاجْتِيَازِ . قَالَ أَحْمَدُ فِي السَّابِقِ إلَى دَكَاكِينِ السُّوقِ ( أَيْ الْأَمَاكِنِ الْمُعَدَّةِ لِلْبَاعَةِ غَيْرِ الدَّائِمِينَ ) غَدْوَةً: فَهُوَ لَهُ إلَى اللَّيْلِ . وَكَانَ هَذَا فِي سُوقِ الْمَدِينَةِ فِيمَا مَضَى . وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: { مِنًى مُنَاخُ مَنْ سَبَقَ } وَلَهُ أَنْ يُظَلِّلَ عَلَى نَفْسِهِ بِمَا لَا ضَرَرَ فِيهِ . . . فَإِنْ قَامَ وَتَرَكَ مَتَاعَهُ فِيهِ لَمْ يَجُزْ لِغَيْرِهِ إزَالَتُهُ , لِأَنَّ يَدَ الْأَوَّلِ عَلَيْهِ , وَإِنْ نَقَلَ مَتَاعَهُ كَانَ لِغَيْرِهِ أَنْ يَقْعُدَ فِيهِ , لِأَنَّ يَدَهُ قَدْ زَالَتْ , وَإِنْ قَعَدَ وَأَطَالَ مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ , لِأَنَّهُ يَصِيرُ كَالْمُتَمَلِّكِ , وَيَخْتَصُّ بِنَفْعٍ يُسَاوِيهِ فِيهِ غَيْرُهُ فِي اسْتِحْقَاقِهِ . وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَا يُزَالُ , لِأَنَّهُ سَبَقَ إلَى مَا لَمْ يَسْبِقْ إلَيْهِ مُسْلِمٌ . وَإِنْ اسْتَبَقَ اثْنَانِ إلَيْهِ احْتَمَلَ أَنْ يُقْرَعَ بَيْنَهُمَا , وَاحْتَمَلَ أَنْ يُقَدِّمَ الْإِمَامُ مَنْ يَرَى مِنْهُمَا . وَإِنْ كَانَ الْجَالِسُ يُضَيِّقُ عَلَى الْمَارَّةِ لَمْ يَحِلَّ لَهُ الْجُلُوسُ فِيهِ , وَلَا يَحِلُّ لِلْإِمَامِ تَمْكِينُهُ بِعِوَضٍ وَلَا غَيْرِهِ . وَبِنَحْوِ ذَلِكَ صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ قَالَ الرَّمْلِيُّ: ( وَمَنْ أَلِفَ مِنْ مَسْجِدٍ أَوْ مَدْرَسَةٍ مَوْضِعًا يُفْتِي فِيهِ النَّاسَ , أَوْ يُقْرِئُ فِيهِ قُرْآنًا , أَوْ عِلْمًا شَرْعِيًّا , أَوْ آلَةً لَهُ , أَوْ لِتَعَلُّمِ مَا ذُكِرَ كَسَمَاعِ دَرْسٍ بَيْنَ يَدَيْ مُدَرِّسٍ فَهُوَ كَالْجَالِسِ فِي الشَّارِعِ لِمُعَامَلَةٍ , لَكِنَّ ذَلِكَ مَشْرُوطٌ بِأَنْ يُفِيدَ أَوْ يَسْتَفِيدَ . بَلْ هُوَ أَوْلَى مِمَّنْ يَجْلِسُ فِي الشَّارِعِ لِمُعَامَلَةٍ , لِأَنَّ لَهُ غَرَضًا فِي مُلَازَمَةِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ لِيَأْلَفَهُ النَّاسُ . وَحَدِيثُ النَّهْيِ عَنْ اتِّخَاذِ الْمَسَاجِدِ وَطَنًا . . . مَخْصُوصٌ بِمَا عَدَا ذَلِكَ , وَلَا يُشْتَرَطُ فِي ذَلِكَ إذْنُ الْإِمَامِ , وَإِذَا غَابَ الْمُدَرِّسُ فَلِغَيْرِهِ الْجُلُوسُ فِي مَكَانِهِ , حَتَّى لَا تَتَعَطَّلَ مَنْفَعَتُهُ ) . وَلَوْ سَبَقَ رَجُلٌ إلَى مَوْضِعٍ مِنْ رِبَاطٍ مُسَبَّلٍ وَانْطَبَقَ عَلَيْهِ شَرْطُهُ , أَوْ فَقِيهٌ إلَى مَدْرَسَةٍ , أَوْ مُتَعَلِّمُ قُرْآنٍ إلَى مَا بُنِيَ لَهُ , أَوْ صُوفِيٌّ إلَى خَانِقَاهُ لَمْ يُزْعَجْ وَلَمْ يَبْطُلْ حَقُّهُ مِنْهُ بِخُرُوجِهِ لِشِرَاءِ حَاجَةٍ وَنَحْوِهِ مِنْ الْأَعْذَارِ , وَلَوْ لَمْ يَتْرُكْ مَتَاعًا وَلَا نَائِبًا . وَمَتَى عَيَّنَ الْوَاقِفُ مُدَّةً لِلْإِقَامَةِ فَلَيْسَ لِلْمُرْتَفِقِ الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا , إلَّا إذَا لَمْ يُوجَدْ فِي الْبَلَدِ مَنْ يَنْطَبِقُ عَلَيْهِ شَرْطُ الْوَاقِفِ , لِأَنَّ الْعُرْفَ يَشْهَدُ بِأَنَّ الْوَاقِفَ لَمْ يُرِدْ خُلُوَّ الْمَدْرَسَةِ , وَكَذَا يُعْمَلُ بِالْعُرْفِ فِي كُلِّ شَرْطٍ شَرَطَهُ الْوَاقِفُ , وَلَا يُزَادُ فِي رِبَاطٍ مُدَّةٌ عَلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مَا لَمْ تَدْعُ ضَرُورَةٌ 9 - هَذَا وَقَدْ فَصَّلَ كُلٌّ مِنْ الْمَاوَرْدِيُّ وَأَبِي يَعْلَى بَيَانَ الِارْتِفَاقِ بِالْمَنَافِعِ الْعَامَّةِ وَلَا سِيَّمَا مِنْ حَيْثُ الْحَاجَةُ إلَى إذْنِ السُّلْطَانِ أَوْ عَدَمُهَا فَقَالَا: وَأَمَّا الْإِرْفَاقُ فَهُوَ مِنْ ارْتِفَاقِ النَّاسِ بِمَقَاعِدِ الْأَسْوَاقِ , وَأَفْنِيَةِ الشَّوَارِعِ , وَحَرِيمِ الْأَمْصَارِ , وَمَنَازِلِ الْأَسْفَارِ فَتَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ يَخْتَصُّ الِارْتِفَاقُ فِيهِ بِالصَّحَارِيِ وَالْفَلَوَاتِ , وَقِسْمٌ يَخْتَصُّ الِارْتِفَاقُ فِيهِ بِأَفْنِيَةِ الْأَمْلَاكِ , وَقِسْمٌ يَخْتَصُّ بِالشَّوَارِعِ وَالطُّرُقَاتِ . وَالْقِسْمُ الْأَوَّلُ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ لِاجْتِيَازِ السَّابِلَةِ وَاسْتِرَاحَةِ الْمُسَافِرِينَ فِيهِ فَلَا نَظَرَ لِلسُّلْطَانِ فِيهِ لِبُعْدِهِ عَنْهُ وَضَرُورَةِ السَّابِلَةِ فِيهِ . وَاَلَّذِي يَخْتَصُّ السُّلْطَانُ بِهِ مِنْ ذَلِكَ إصْلَاحُ عَوْرَتِهِ"خَلَلِهِ"وَحِفْظُ مِيَاهِهِ , وَالتَّخْلِيَةُ بَيْنَ النَّاسِ وَنُزُولُهُ , وَيَكُونُ السَّابِقُ إلَى الْمَنْزِلِ أَحَقَّ بِحُلُولِهِ مِنْ الْمَسْبُوقِ حَتَّى يَرْتَحِلَ . فَإِنْ وَرَدُوهُ عَلَى سَوَاءٍ وَتَنَازَعُوا فِيهِ , نَظَرَ فِي التَّعْدِيلِ بَيْنَهُمْ بِمَا يُزِيلُ تَنَازُعَهُمْ . وَكَذَلِكَ الْبَادِيَةُ إذَا انْتَجَعُوا أَرْضًا طَلَبًا لِلْكَلَأِ وَارْتِفَاقًا بِالْمَرْعَى وَانْتِقَالًا مِنْ أَرْضٍ إلَى أَرْضٍ كَانُوا فِيمَا تَرَكُوهُ وَارْتَحَلُوا عَنْهُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت