فهرس الكتاب

الصفحة 300 من 2053

8 -واختلفوا في الحجامة والقيء . فأمّا الحجامة فقد رأى أحمد وداود والأوزاعيّ وإسحاق بن راهويه أنّها تفسد الصّوم ، وقال المالكيّة والشّافعيّة بالكراهة ، وقال الحنفيّة بعدم الإفساد . والسّبب في ذلك هو تعارض الآثار الواردة في ذلك . وأمّا القيء فالجمهور على أنّ من ذرعه القيء فليس بمفطرٍ ، وأنّ من استقاء فقاء فإنّه يفسد صومه . وفي الموضوع تفصيلٌ وخلافٌ يرجع إلى مصطلح: ( صومٌ ) ( وقيءٌ ) .

نيّة إفساد العبادة:

9 -نيّة الإفساد يختلف أثرها صحّةً وبطلانًا عند العلماء باختلاف العبادات والأفعال والأحوال . فإذا نوى إفساد الإيمان أو قطعه ، صار مرتدًّا في الحال والعياذ باللّه ، وإن نوى إفساد الصّلاة بعد الفراغ منها لم تبطل ، وكذلك سائر العبادات ، وإن نوى قطع الصّلاة في أثنائها بطلت بلا خلافٍ ، لأنّها شبيهةٌ بالإيمان ، ولو نوى قطع السّفر بالإقامة صار مقيمًا . أمّا إذا نوى قطع الصّيام بالأكل أو الجماع في نهاره ، فإنّه لا يفسد صومه حتّى يأكل أو يجامع .

ولو نوى قطع الحجّ أو العمرة لم يبطلا بلا خلافٍ ، لأنّه لا يخرج منهما بالإفساد ، فلا يخرج بالأولى بنيّة الإفساد أو الإبطال . ولتفصيل ذلك يرجع إلى مصطلح: ( نيّةٌ ) وإلى مواطن تلك العبادات .

أثر الشّروط الفاسدة في إفساد العقد:

10 -إفساد العقد بالشّروط الفاسدة يرجع إلى ما يسبّبه من غررٍ أو ربًا أو نقصٍ في الملك ، أو اشتراط أمرٍ محظورٍ أو لا يقتضيه العقد ، وفيه منفعةٌ لأحد العاقدين . والعقود عند اقترانها بهذه الشّروط: نوعان:

الأوّل: عقودٌ تفسد عند اقترانها بها ،

والثّاني: عقودٌ تصحّ ، ويسقط الشّرط ، وعلى هذا اتّفقت المذاهب الأربعة .

وقد اختلفت المذاهب في الأثر النّاشئ عن الشّروط: فعند الحنفيّة ، كلّ تصرّفٍ لا يكون الغرض منه مبادلة مالٍ بمالٍ ، لا يفسد بالشّروط الفاسدة ، وما عدا ذلك يعتريه الفساد . فالّذي يفسد بالشّروط الفاسدة مثل: البيع ، والقسمة ، والإجارة ، والّذي لا يفسد مثل: النّكاح والقرض ، والهبة ، والوقف ، والوصيّة .

وكذلك الشّافعيّة ، إذ يفسد العقد عندهم بالشّرط في الجملة ، وعند المالكيّة اشتراط أمرٍ محظورٍ ، أو أمرٍ يؤدّي إلى غررٍ فاحشٍ ، يؤدّي إلى فساد العمد ، فالأمر المحظور مثل: ما إذا اشترى دارًا واشترط اتّخاذها مجمعًا للفساد . فالشّرط حرامٌ والبيع فاسدٌ . والغرر الفاحش مثل: ما إذا باع دارًا واشترط أن يكون ثمنها يكفيه للنّفقة طول حياته ، فإنّه لا تدرى نفقته ولا كم يعيش .

وخالف الحنابلة فقالوا: هذه الشّروط المحرّمة أو تلك الّتي تؤدّي إلى غررٍ فاحشٍ ، لا تؤدّي إلى إفساد العقد ، وإنّما تلغى ، ويصحّ العقد . أمّا الشّروط الّتي تؤدّي إلى إفساد العقد فهي ، اشتراط عقدٍ في عقدٍ ، أو شرطين في بيعٍ ، أو اشتراط ما ينافي مقصود العقد . مثل: ما إذا اشترط أحد المتبايعين على الآخر عقدًا آخر كشرطٍ للبيع ، كأن يقول: بعتك هذه الدّار على أن تبيعني هذه الفرس . فهذا اشتراط عقدٍ في عقدٍ ، ومثل: ما إذا اشترط البائع على المشتري ألا يبيع المبيع ، وكذلك إن شرط أنّ الجارية المبيعة لا تحمل ، أو تضع الولد في وقتٍ بعينه . فهذا اشتراطٌ ينافي مقصود العقد .

إفساد النّكاح:

11 -إفساد النّكاح بعد وجوده صحيحًا لا يسقط حقّ المرأة في الصّداق إن كان بعد الدّخول اتّفاقًا ، أمّا قبل الدّخول فإنّه لا يسقط حقّها في نصف المهر ، إذا وقع الإفساد من جهته ، كردّته . أمّا لو وقع إفساد النّكاح من جهتها ، فلا مهر لها ولا نفقة ، لتسبّبها في إفساد النّكاح الّذي هو موجبٌ للمهر . ولتفصيل ذلك ينظر مصطلح: ( نكاحٌ ) ( ورضاعٌ ) . أثر الإفساد في التّوارث بين الزّوجين:

12 -إذا وقعت الفرقة بإفساد النّكاح بغير طلاقٍ انتفى التّوارث عند موت أحدهما ، أمّا ما كانت الفرقة فيه بطلاقٍ فإنّه يثبت فيه التّوارث في بعض الأحوال ، كما لو طلّقها في مرض الموت فارًّا من توريثها .

إفساد الزّوجة على زوجها:

13 -يحرم إفساد المرأة على زوجها ، لقوله صلى الله عليه وسلم: « من خبّب زوجة امرئٍ أو مملوكه فليس منّا » فمن أفسد زوجة امرئٍ أي: أغراها بطلب الطّلاق أو التّسبّب فيه فقد أتى بابًا عظيمًا من أبواب الكبائر . وقد صرّح الفقهاء بالتّضييق عليه وزجره ، حتّى قال المالكيّة بتأبيد تحريم المرأة المخبّبة على من أفسدها على زوجها معاملةً له بنقيض قصده ، ولئلاّ يتّخذ النّاس ذلك ذريعةً إلى إفساد الزّوجات . ر - ( تخبيبٌ ) .

الإفساد بين المسلمين:

14 -تحرم الوقيعة وإفساد ذات البين بين المسلمين ، لأمرين:

الأوّل: الإبقاء على وحدة المسلمين .

الثّاني: رعاية حرمتهم ، لقوله تعالى: { واعتصموا بحبل اللّه جميعًا ولا تفرّقوا } ، ولما روي عن ابن عمر أنّه نظر يومًا إلى الكعبة فقال: « ما أعظمك وأعظم حرمتك ، والمؤمن أعظم حرمةً عند اللّه منك » ،ولهذا كان إصلاح ذات البين من أفضل القربات ، وإفساد ذات البين من أكبر الكبائر ، لقوله صلى الله عليه وسلم: « ألا أخبركم بأفضل من درجة الصّيام والصّلاة والصّدقة قالوا: بلى ، قال: إصلاح ذات بينٍ ، فإنّ فساد ذات البين هي الحالقة » ولهذا نهى الرّسول صلى الله عليه وسلم عن تتبّع عورات المسلمين ، وعن الغيبة ، والنّميمة ، وسوء الظّنّ ، والتّباغض ، والتّحاسد ، وكلّ ما يؤدّي إلى الوقيعة بين المسلمين: فقال صلى الله عليه وسلم: « لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا ، وكونوا عباد اللّه إخوانًا ، ولا يحلّ لمسلمٍ أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيّامٍ »

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت