كما ورد « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم دفع إلى عروة البارقيّ دينارًا ليشتري له شاةً فاشترى شاتين فباع إحداهما بدينارٍ وأتى النّبيّ صلى الله عليه وسلم بشاةٍ ودينارٍ فدعا له بالبركة » وكذلك يقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم « التّاجر الصّدوق الأمين مع النّبيّين والصّدّيقين والشّهداء » . ويقول: « الجالب مرزوق والمحتكر محروم أو ملعون » ، ويقول: « لا يغرس مسلم غرسًا ولا يزرع زرعًا فيأكل منه إنسان ولا دابّة ولا شيء إلاّ كانت له صدقة » . ويقول: « نعم المال الصّالح للرّجل الصّالح » .
ولتحصيل هذا الغرض ( وهو الإنماء ) أباحت الشّريعة أنواعًا من العقود كالشّركات .
وقد روي عن جماعةٍ من الصّحابة أنّهم دفعوا مال اليتيم مضاربةً ، كذلك بعث النّبيّ صلى الله عليه وسلم والنّاس يتعاملون بالشّركة والمضاربة فأقرّهم ولم ينكر عليهم .
حكمة المشروعيّة:
12 -شرع للإنسان تنمية ماله حفاظًا على المال لمصلحته ومصلحة الجماعة ، والحفاظ على المال مقصد من مقاصد الشّريعة ، ولذلك منع منه السّفهاء حتّى لا يضيّعوه . ومن وسائل حفظه تنميته بتجارةٍ أو زراعةٍ أو صناعةٍ أو غير ذلك ، ولذلك يقول الفقهاء في الحكمة من مشروعيّة الشّركة: الشّركة وضعت لاستنماء المال بالتّجارة لأنّ غالب نماء المال بالتّجارة ، والنّاس في الاهتداء إلى التّجارة مختلفون بعضهم أهدى من بعضٍ ، فشرعت الشّركة لتحصيل غرض الاستنماء ، وحاجة النّاس إلى استنماء المال متحقّقة ، فشرعت هذه العقود لمصالح العباد .
وفي القراض يقول الفقهاء ، إنّ الضّرورة تدعو إليه لاحتياج النّاس إلى التّصرّف في أموالهم وتنميتها بالتّجر فيها ، فهو من المصالح العامّة ، وليس كلّ أحدٍ يقدر عليه بنفسه ، فيضطرّ إلى الاستنابة عليه .
إنماء المال بحسب نيّة الشّخص:
13 -الإنماء نوع من أنواع الاكتساب ، ويختلف حكمه بحسب الغرض منه .
فيفرض إن كان لتحصيل المال بقدر الكفاية لنفسه وعياله وقضاء ديونه .
ويستحبّ الزّائد على الحاجة إذا كان الغرض منه مواساة الفقير ونفع القريب وهو حينئذٍ أفضل من التّفرّغ لنفل العبادة .
ويباح الزّائد إذا كان بغرض التّجمّل والتّنعّم لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم . « نعم المال الصّالح للرّجل الصّالح » .
ويكره ( أي كراهة تحريمٍ ) الزّائد إذا كان للتّفاخر والتّكاثر والبطر والأشر وإن كان من حلٍّ ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: « من طلبها حلالًا مكاثرًا لها مفاخرًا لقي اللّه تعالى وهو عليه غضبان » .
حكم الإنماء بالنّسبة لمن يملك التّصرّف دون الرّقبة
14 -من يملك التّصرّف في المال دون الرّقبة كالوليّ والوصيّ وناظر الوقف والوكيل والقاضي والسّلطان . هؤلاء يتصرّفون فيما يلونه من أموال اليتامى والقصّر وأموال الوقف والموكّل وبيت المال بإذنٍ شرعيٍّ ، وهم أمناء على هذه الأموال ، ونظرهم فيها يكون بما فيه الحظّ لأربابها ، ولذلك يجوز لهم إنماء هذه الأموال لأنّه أوفر حظًّا .
يقول الفقهاء: الوكيل والوصيّ والوليّ والقاضي والسّلطان فيما يرجع إلى بيت المال يتصرّفون بإذنٍ شرعيٍّ .
وللوصيّ دفع المال إلى من يعمل فيه مضاربةً نيابةً عن اليتيم ، وللقاضي - حيث لا وصيّ - إعطاء مال الوقف والغائب واللّقطة واليتيم مضاربةً . ولناظر الوقف تنميته بإيجارٍ أو زرعٍ أو غير ذلك . وللإمام النّظر فيما يرجع إلى بيت المال بالتّثمير والإصلاح ، وقد استدلّ الفقهاء على جواز تصرّف هؤلاء المذكورين بالإنماء فيما يلونه من أموالٍ بالآتي:
أ - ما رواه عبد اللّه بن عمرو بن العاص عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال: « من ولي يتيمًا له مال فليتّجر له بماله ولا يتركه حتّى تأكله الصّدقة » .
ب - ما روي عن جماعةٍ من الصّحابة أنّهم دفعوا مال اليتيم مضاربةً ، منهم: عمر وعثمان وعليّ وعبد اللّه بن مسعودٍ رضي الله عنهم .
ج - ما روي أنّ « النّبيّ صلى الله عليه وسلم: دفع إلى عروة البارقيّ دينارًا ليشتري له شاةً ، فاشترى شاتين ، فباع إحداهما بدينارٍ ، وأتى النّبيّ صلى الله عليه وسلم بشاةٍ ودينارٍ ، فدعا له بالبركة » .
د - استدلّوا على أنّ الإمام له النّظر في أموال بيت المال بالتّثمير والإصلاح ، بما روي"أنّ عبد اللّه وعبيد اللّه ابني عمر بن الخطّاب أخذا من أبي موسى الأشعريّ - وهو أمير البصرة - مالًا من بيت المال ليبتاعا ويربحا ، ثمّ يؤدّيا رأس المال إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب ، فأبى عمر ، وجعل المال قراضًا ، وأخذ نصف الرّبح لبيت المال وترك لهما النّصف".
هـ - كما ورد أنّ أبا بكرٍ رضي الله تعالى عنه كان يرسل إبل الصّدقة إذا كانت عجافًا إلى الرّبذة وما والاها ترعى هناك .
حكم الإنماء بالنّسبة لمن يملك الرّقبة دون التّصرّف