فهرس الكتاب

الصفحة 339 من 2053

11 -اختلف الفقهاء في حكم الاختضاب بالسّواد: فالحنابلة والمالكيّة والحنفيّة - ما عدا أبا يوسف - يقولون: بكراهة الاختضاب بالسّواد في غير الحرب . أمّا في الحرب فهو جائز إجماعًا ، بل هو مرغّب فيه ، « لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم شأن أبي قحافة والد أبي بكر رضي الله عنه لمّا جيء إليه عام الفتح ، ورأسه يشتعل شيبًا: اذهبوا به إلى بعض نسائه فلتغيّره ، وجنّبوه السّواد » . وقال الحافظ في الفتح: إنّ من العلماء من رخّص في الاختضاب بالسّواد للمجاهدين ، ومنهم من رخّص فيه مطلقًا ، ومنهم من رخّص فيه للرّجال دون النّساء ، وقد استدلّ المجوّزون للاختضاب بالسّواد بأدلّة: منها: قول رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: « إنّ أحسن ما اختضبتم به لهذا السّواد ، أرغب لنسائكم فيكم ، وأهيب لكم في صدور أعدائكم » . ومنها ما روي عن عمر بن الخطّاب أنّه كان يأمر بالخضاب بالسّواد ، ويقول: هو تسكين للزّوجة ، وأهيب للعدوّ . ومنها أنّ جماعةً من الصّحابة اختضبوا بالسّواد ، ولم ينقل الإنكار عليهم من أحد ، منهم عثمان وعبد اللّه بن جعفر والحسن والحسين . وكان ممّن يختضب بالسّواد ويقول به محمّد بن إسحاق صاحب المغازي ، وابن أبي عاصم ، وابن الجوزيّ . ومنها ما ورد عن ابن شهاب قال: « كنّا نختضب بالسّواد إذ كان الوجه جديدًا ( شبابًا ) فلمّا نفض الوجه والأسنان ( كبرنا ) تركناه » . وللحنفيّة رأي آخر بالجواز ، ولو في غير الحرب ، وهذا هو مذهب أبي يوسف . وقال الشّافعيّة بتحريم الاختضاب بالسّواد لغير المجاهدين ؛ لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: « يكون قوم في آخر الزّمان يخضبون بالسّواد ، لا يريحون رائحة الجنّة » ، ولقوله صلى الله عليه وسلم: « في شأن أبي قحافة: وجنّبوه السّواد » ، فالأمر عندهم للتّحريم ، وسواء فيه عندهم الرّجل والمرأة .

اختضاب الأنثى

12 -اتّفق الفقهاء على أنّ تغيير الشّيب بالحنّاء أو نحوه مستحبّ للمرأة كما هو مستحبّ للرّجل ، للأخبار الصّحيحة في ذلك . وتختصّ المرأة المزوّجة ، والمملوكة باستحباب خضب كفّيها وقدميها بالحنّاء أو نحوه في كلّ وقت عدا وقت الإحرام ؛ لأنّ الاختضاب زينة ، والزّينة مطلوبة من الزّوجة لزوجها ومن المملوكة لسيّدها ، على أن يكون الاختضاب تعميمًا ، لا تطريفًا ولا نقشًا ؛ لأنّ ذلك غير مستحبّ . ويجوز لها - بإذن زوجها أو سيّدها تحمير الوجنة ، وتطريف الأصابع بالحنّاء مع السّواد . وفي استحباب خضب المرأة المزوّجة لكفّيها ما ورد عن « ابن ضمرة بن سعيد عن جدّته عن امرأة من نسائه قال: وقد كانت صلّت القبلتين مع رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - قالت: دخل عليّ رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - فقال لي: اختضبي ، تترك إحداكنّ الخضاب حتّى تكون يدها كيد الرّجل ؟ » قال: فما تركت الخضاب حتّى لقيت اللّه عزّ وجلّ ، وإن كانت لتختضب وإنّها لابنة ثمانين . أمّا المرأة غير المزوّجة وغير المملوكة فيرى الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة: كراهة اختضابها في كفّيها وقدميها لعدم الحاجة مع خوف الفتنة ، وحرمة تحمير وجنتيها وحرمة تطريف أصابعها بالحنّاء مع السّواد . . ويرى الحنابلة جواز الاختضاب للأيّم ، لما ورد عن جابر مرفوعًا: « يا معشر النّساء اختضبن ، فإنّ المرأة تختضب لزوجها ، وإنّ الأيّم تختضب تعرّض للرّزق من اللّه عزّ وجلّ » أي لتخطب وتتزوّج .

وضوء المختضب وغسله:

13 -اتّفق الفقهاء على أنّ وجود مادّة على أعضاء الوضوء أو الغسل تمنع وصول الماء إلى البشرة - حائل بين صحّة الوضوء وصحّة الغسل . والمختضب وضوءه وغسله صحيحان ؛ لأنّ الخضاب بعد إزالة مادّته بالغسل يكون مجرّد لون ، واللّون وحده لا يحول بين البشرة ووصول الماء إليها ، ومن ثمّ فهو لا يؤثّر في صحّة الوضوء أو الغسل .

الاختضاب للتّداوي:

14 -اتّفق الفقهاء على جواز الاختضاب للتّداوي ، لخبر سلمى - مولاة النّبيّ صلى الله عليه وسلم - « أنّه كان إذا اشتكى أحد رأسه قال: اذهب فاحتجم ، وإذا اشتكى رجله قال: اذهب فاخضبها بالحنّاء » ، وفي لفظ لأحمد: قالت: « كنت أخدم النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - فما كانت تصيبه قرحة ولا نكتة إلاّ أمرني أن أضع عليها الحنّاء » .

الاختضاب بالمتنجّس وبعين النّجاسة

15 -يرى الأحناف والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة أنّ ما خضّب أو صبغ بمتنجّس يطهر بغسله ثلاثًا فلو اختضب الرّجل أو اختضبت المرأة بالحنّاء المتنجّس وغسل كلّ ثلاثًا طهر . أمّا إذا كان الاختضاب بعين النّجاسة فلا يطهر إلاّ بزوال عينه وطعمه وريحه وخروج الماء صافيًا ، ويعفى عن بقاء اللّون ؛ لأنّ الأثر الّذي يشقّ زواله لا يضرّ بقاؤه . ومن هذا القبيل المصبوغ بالدّم ( فهو نجس ) ، والمصبوغ بالدّودة غير المائيّة الّتي لها دم سائل فإنّها ميتة يتجمّد الدّم فيها وهو نجس .

الاختضاب بالوشم:

16 -الوشم هو غرز الجلد بالإبرة حتّى يخرج الدّم ثمّ يذرّ عليه كحل أو نيلة ليخضرّ أو يزرقّ وهو حرام مطلقًا لخبر الصّحيحين: « لعن اللّه الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة والنّامصة والمتنمّصة » ؛ ولأنّه إذا غرز محلّ الوشم بإبرة ثمّ حشي بكحل أو نيلة ليخضرّ تنجّس الكحل بالدّم فإذا جمد الدّم والتأم الجرح بقي محلّه أخضر ، فإذا غسل ثلاثًا طهر . ويرى الأحناف والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة أنّ الوشم كالاختضاب أو الصّبغ بالمتنجّس ، فإذا غسل ثلاثًا طهر ؛ لأنّه أثر يشقّ زواله إذ لا يزول إلاّ بسلخ الجلد أو جرحه .

الاختضاب بالبياض

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت