14 -أمّا أحكام المبتدأة بالحمل عند الشّافعيّة والمالكيّة فقولهم هنا كأقوالهم في المبتدأة بالحيض . والمالكيّة قالوا: تعتبر المبتدأة بأترابها ، فإن تمادى بها الدّم فالمشهور أنّها تعتكف ستّين يومًا ، ثمّ هي مستحاضةٌ تغتسل ، وتصوم وتصلّي ، وتوطأ . فإذا عبر الدّم السّتّين عند الشّافعيّة فينزل منزلة عبوره أكثر الحيض ؛ لأنّ النّفاس كالحيض في غالب أحكامه ، فكذلك في الرّدّ إليه ، فيقاس بما ذكر في الحيض وفاقًا وخلافًا ، فينظر هنا أيضًا إذا كانت المرأة مبتدأةً في النّفاس أم معتادةً ، مميّزةً لما تراه أم غير مميّزةٍ ، ويقاس بما تقدّم في الحيض ، فتردّ المبتدأة المميّزة إلى التّمييز شرط ألاّ يزيد القويّ على ستّين عند الشّافعيّة والمالكيّة ، وغير المميّزة تردّ إلى لحظةٍ في الأظهر عند الشّافعيّة ، والمعتادة المميّزة تردّ إلى التّمييز لا العادة في الأصحّ ، وغير المميّزة الحافظة تردّ إلى العادة ، وتثبت العادة بمرّةٍ في الأصحّ عند الشّافعيّة ، وأمّا النّاسية لعادتها فتردّ إلى مردّ المبتدأة في قولٍ ، وتحتاط في القول الآخر . أمّا الحنابلة فيرون أنّ النّفساء إذا زاد دمها على الأربعين ، ووافق عادة حيضٍ فهو حيضٌ ، وما زاد فهو استحاضةٌ . وإن لم يوافق عادة حيضٍ فما زاد على الأربعين استحاضةٌ ، ولم يفرّقوا بين مبتدأةٍ بالحمل أو معتادةٍ له .
استحاضة ذات العادة:
أ - ذات العادة بالحيض:
15 -مذهب الحنفيّة في ذات العادة بالحيض - وهي الّتي تعرف شهرها ووقت حيضها وعدد أيّامها أنّه: إذا رأت المعتادة ما يوافق عادتها من حيث الزّمن والعدد ، فكلّ ما رأته حيضٌ . وإذا رأت ما يخالف عادتها من حيث الزّمن أو العدد أو كلاهما ، فحينئذٍ قد تنتقل العادة وقد لا تنتقل ، ويختلف حكم ما رأت ، فتتوقّف معرفة حال ما رأت من الحيض والاستحاضة على انتقال العادة . فإن لم تنتقل كما إذا زاد الدّم عن العشرة ردّت إلى عادتها ، فيجعل المرئيّ في العادة حيضًا ، والباقي الّذي جاوز العادة استحاضةً . وإن انتقلت العادة فكلّ ما رأته حيضٌ . وتفصيل قاعدة انتقال العادة وحالاتها وأمثلتها في مصطلح ( حيضٌ ) .
16 -وعند المالكيّة: أقوالٌ متعدّدةٌ أشار إليها ابن رشدٍ في المقدّمات أشهرها: أنّها تبقى أيّامها المعتادة ، وتستظهر ( أي تحتاط ) بثلاثة أيّامٍ ، ثمّ تكون مستحاضةً تغتسل وتصلّي وتصوم وتطوف ويأتيها زوجها ، ما لم تر دمًا تنكره بعد مضيّ أقلّ مدّة الطّهر من يوم حكم باستحاضتها ، وهو ظاهر رواية ابن القاسم عن مالكٍ في المدوّنة . وعلى هذه الرّواية تغتسل عند تمام الخمسة عشر يومًا استحبابًا لا إيجابًا . وهذا كلّه إذا لم تكن مميّزةً ، أمّا المميّزة فتعمل بتمييزها من رؤية أوصاف الدّم وأحواله من التّقطّع والزّيادة واللّون ، فتميّز به ما هو حيضٌ ، وما هو استحاضةٌ . وإذا أتاها الحيض في وقته ، وانقطع بعد يومٍ أو يومين أو ساعةٍ ، وأتاها بعد ذلك قبل طهرٍ تامٍّ ، فإنّها تلفّق أيّام الدّم بعضها إلى بعضٍ ، فإن كانت معتادةً فتلفّق عادتها واستظهارها ، وإن كانت مبتدأةً لفّقت نصف شهرٍ ، وإن كانت حاملًا في ثلاثة أشهرٍ فأكثر لفّقت نصف شهرٍ ونحوه ، أو بعد ستّة أشهرٍ لفّقت عشرين يومًا ونحوها . والأيّام الّتي استظهرت بها هي فيها حائضٌ ، وهي مضافةٌ إلى الحيض ، إن رأت الدّم فيها بعد ذلك وإن لم تره ، وأيّام الطّهر الّتي كانت تلغيها عند انقطاع الدّم في خلال ذلك ، وكانت لا ترى فيها دمًا هي فيها طاهرةٌ ، تصلّي فيها ويأتيها زوجها وتصومها ، وليست تلك الأيّام بطهرٍ تعتدّ به في عدّةٍ من طلاقٍ ؛ لأنّ الّذي قبل تلك الأيّام من الدّم ، والّتي بعد تلك الأيّام قد أضيفت بعضها إلى بعضٍ وجعل حيضةً واحدةً ، وكلّ ما بين ذلك من الطّهر ملغًى ، ثمّ تغتسل بعد الاستظهار ، وتصلّي ، وتتوضّأ لكلّ صلاةٍ ، إن رأت الدّم في تلك الأيّام ، وتغتسل كلّ يومٍ إذا انقطع عنها الدّم من أيّام الطّهر .
17 -أمّا عند الشّافعيّة فالمعتادة بالحيض إمّا أن تكون غير مميّزةٍ لما ترى بأن كان الدّم بصفةٍ واحدةٍ ، أو كان بصفاتٍ متعدّدةٍ ، وفقدت شرط التّمييز ، ولكن سبق لها حيضٌ وطهرٌ ، وهي تعلم أيّام حيضها وطهرها قدرًا ووقتًا فتردّ إليهما قدرًا ووقتًا ، وتثبت العادة بمرّةٍ في الأصحّ . وأمّا المعتادة المميّزة فيحكم بالتّمييز لا بالعادة في الأصحّ ، كما لو كانت عادتها خمسةً من أوّل كلّ شهرٍ وباقيه طهرٌ ، فاستحيضت فرأت عشرةً سوادًا من أوّل الشّهر وباقيه حمرةً ، فحيضتها العشرة السّواد وما يليه استحاضةٌ . والقول الثّاني يحكم بالعادة ، فيكون حيضها الخمسة الأولى . والأوّل أصحّ لأنّ التّمييز علامةٌ قائمةٌ في شهر الاستحاضة ، فكان اعتباره أولى من اعتبار عادةٍ انقضت .