الثّالثة: ولم يصرّح بها غير المالكيّة ، والشّافعيّة ، فقالوا: تجوز بالدّعاء عقب أيّ صلاةٍ كانت مع نيّتها ، وهو أولى ، أو بغير نيّتها كما في تحيّة المسجد . ولم يذكر ابن قدامة إلاّ الحالة الأولى ، وهي الاستخارة بالصّلاة والدّعاء . وإذا صلّى الفريضة أو النّافلة ، ناويًا بها الاستخارة ، حصل له بها فضل سنّة صلاة الاستخارة ، ولكن يشترط النّيّة ؛ ليحصل الثّواب قياسًا على تحيّة المسجد ، وعضّد هذا الرّأي ابن حجرٍ الهيثميّ ، وقد خالف بعض المتأخّرين في ذلك ونفوا حصول الثّواب واللّه أعلم .
وقت الاستخارة:
13 -أجاز القائلون بحصول الاستخارة بالدّعاء فقط وقوع ذلك في أيّ وقتٍ من الأوقات ؛ لأنّ الدّعاء غير منهيٍّ عنه في جميع الأوقات . أمّا إذا كانت الاستخارة بالصّلاة والدّعاء فالمذاهب الأربعة تمنعها في أوقات الكراهة . نصّ المالكيّة والشّافعيّة صراحةً على المنع غير أنّ الشّافعيّة أباحوها في الحرم المكّيّ في أوقات الكراهة ، قياسًا على ركعتي الطّواف . لما روي عن جبير بن مطعمٍ: « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: يا بني عبد منافٍ لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت وصلّى في أيّ ساعةٍ من ليلٍ أو نهارٍ » . وأمّا الحنفيّة والحنابلة فلعموم المنع عندهم . فهم يمنعون صلاة النّفل في أوقات الكراهة ، لعموم أحاديث النّهي ، ومنها: روى ابن عبّاسٍ قال: « شهد عندي رجالٌ مرضيّون ، وأرضاهم عندي عمر رضي الله عنه ، أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم نهى عن الصّلاة بعد الصّبح حتّى تشرق الشّمس ، وبعد العصر حتّى تغرب » . وعن « عمرو بن عبسة قال: قلت يا رسول اللّه: أخبرني عن الصّلاة . قال: صلّ صلاة الصّبح ، ثمّ اقصر عن الصّلاة حين تطلع الشّمس حتّى ترتفع ، فإنّها تطلع بين قرني الشّيطان ، وحينئذٍ يسجد لها الكفّار ، ثمّ صلّ فإنّ الصّلاة محضورةٌ مشهودةٌ حتّى يستقلّ الظّلّ بالرّمح ، ثمّ اقصر عن الصّلاة فإنّه حينئذٍ تسجر جهنّم ، فإذا أقبل الفيء فصلّ ، فإنّ الصّلاة مشهودةٌ محضورةٌ حتّى تصلّي العصر ، ثمّ اقصر عن الصّلاة حتّى تغرب الشّمس ، فإنّها تغرب بين قرني الشّيطان ، وحينئذٍ يسجد لها الكفّار »
كيفيّة صلاة الاستخارة:
14 -اتّفق فقهاء المذاهب الأربعة على أنّ الأفضل في صلاة الاستخارة أن تكون ركعتين . ولم يصرّح الحنفيّة ، والمالكيّة ، والحنابلة ، بأكثر من هذا ، أمّا الشّافعيّة فأجازوا أكثر من الرّكعتين ، واعتبروا التّقييد بالرّكعتين لبيان أقلّ ما يحصل به .
القراءة في صلاة الاستخارة:
15 -فيما يقرأ في صلاة الاستخارة ثلاثة آراءٍ:
أ - قال الحنفيّة ، والمالكيّة ، والشّافعيّة: يستحبّ أن يقرأ في الرّكعة الأولى بعد الفاتحة { قل يا أيّها الكافرون } ، وفي الثّانية { قل هو اللّه أحدٌ } . وذكر النّوويّ تعليلًا لذلك فقال: ناسب الإتيان بهما في صلاةٍ يراد منها إخلاص الرّغبة وصدق التّفويض وإظهار العجز ، وأجازوا أن يزاد عليهما ما وقع فيه ذكر الخيرة من القرآن الكريم .
ب - واستحسن بعض السّلف أن يزيد في صلاة الاستخارة على القراءة بعد الفاتحة بقوله تعالى: { وربّك يخلق ما يشاء ويختار . ما كان لهم الخيرة سبحان اللّه وتعالى عمّا يشركون . وربّك يعلم ما تكنّ صدورهم وما يعلنون . وهو اللّه لا إله إلاّ هو له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون } . في الرّكعة الأولى ، وفي الرّكعة الثّانية قوله تعالى: { وما كان لمؤمنٍ ولا مؤمنةٍ إذا قضى اللّه ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص اللّه ورسوله فقد ضلّ ضلالًا مبينًا }
ج - أمّا الحنابلة وبعض الفقهاء فلم يقولوا بقراءةٍ معيّنةٍ في صلاة الاستخارة .
دعاء الاستخارة:
16 -روى البخاريّ ومسلمٌ عن جابر بن عبد اللّه رضي الله عنهما قال: « كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يعلّمنا الاستخارة في الأمور كلّها ، كالسّورة من القرآن إذا همّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ، ثمّ ليقل: اللّهمّ إنّي أستخيرك بعلمك ، وأستقدرك بقدرتك ، وأسألك من فضلك العظيم ، فإنّك تقدر ولا أقدر ، وتعلم ولا أعلم ، وأنت علاّم الغيوب . اللّهمّ إن كنت تعلم أنّ هذا الأمر خيرٌ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال عاجل أمري وآجله - فاقدره لي ويسّره لي ، ثمّ بارك لي فيه ، وإن كنت تعلم أنّ هذا الأمر شرٌّ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال عاجل أمري وآجله - فاصرفه عنّي واصرفني عنه . واقدر لي الخير حيث كان ، ثمّ رضّني به . قال: ويسمّي حاجته » . قال الحنفيّة ، والمالكيّة ، والشّافعيّة: يستحبّ افتتاح الدّعاء المذكور وختمه بالحمد للّه والصّلاة والتّسليم على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم .
استقبال القبلة في الدّعاء:
17 -يستقبل القبلة في دعاء الاستخارة رافعًا يديه مراعيًا جميع آداب الدّعاء .
موطن دعاء الاستخارة:
18 -قال الحنفيّة ، والمالكيّة ، والشّافعيّة ، والحنابلة: يكون الدّعاء عقب الصّلاة ، وهو الموافق لما جاء في نصّ الحديث الشّريف عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم . وزاد الشّوبريّ وابن حجرٍ من الشّافعيّة ، والعدويّ من المالكيّة جوازه في أثناء الصّلاة في السّجود ، أو بعد التّشهّد .
ما يطلب من المستخير بعد الاستخارة:
19 -يطلب من المستخير ألاّ يتعجّل الإجابة ؛ لأنّ ذلك مكروهٌ ، لحديث رسول اللّه صلى الله عليه وسلم « يستجاب لأحدكم ما لم يعجل . يقول: دعوت فلم يستجب لي » . كما يطلب منه الرّضا بما يختاره اللّه له .
تكرار الاستخارة: