فهرس الكتاب

الصفحة 373 من 2053

6 -ورد في الحديث عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم استفتاح الصّلاة بصيغٍ مختلفةٍ أشهرها ثلاثٌ:

الأولى: عن عائشة رضي الله عنها"قالت: « كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصّلاة قال: سبحانك اللّهمّ وبحمدك ، وتبارك اسمك ، وتعالى جدّك ، ولا إله غيرك » . وصحّ عن عمر أنّه استفتح به . وجمهور الفقهاء لم يذكروا في هذه الصّيغة"وجلّ ثناؤك"، وذكرها الحنفيّة . ففي شرح منية المصلّي: إن زاد في دعاء الاستفتاح بعد قوله: وتعالى جدّك"وجلّ ثناؤك"لا يمنع من زيادته ، وإن سكت عنه لا يؤمر به ، لأنّه لم يذكر في الأحاديث المشهورة . وقد روي عن بعض الصّحابة من قولهم ."

الثّانية: عن عليٍّ رضي الله عنه « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كان إذا قام إلى الصّلاة قال: وجّهت وجهي للّذي فطر السّموات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين . إنّ صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي للّه ربّ العالمين لا شريك له ، وبذلك أمرت ، وأنا من المسلمين » - وفي روايةٍ: « وأنا أوّل المسلمين - اللّهمّ أنت الملك لا إله إلاّ أنت ، أنت ربّي ، وأنا عبدك ، ظلمت نفسي ، واعترفت بذنبي ، فاغفر لي ذنوبي جميعًا ، إنّه لا يغفر الذّنوب إلاّ أنت ، واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلاّ أنت ، واصرف عنّي سيّئها لا يصرف عنّي سيّئها إلاّ أنت ، لبّيك وسعديك ، والخير كلّه في يديك ، والشّرّ ليس إليك ، أنا بك وإليك ، تباركت وتعاليت ، أستغفرك وأتوب إليك » .

هل يقول ( وأنا من المسلمين ) أو ( أوّل المسلمين ) ؟:

7 -ودعاء التّوجّه الّذي تضمّنه حديث عليٍّ رضي الله عنه ، وردت فيه هذه الكلمة بروايتين: الأولى"وأنا من المسلمين"والثّانية"وأنا أوّل المسلمين"وكلتا الرّوايتين صحيحتان . فلو قال المستفتح:"وأنا من المسلمين"- وهو الأولى- فهو موافقٌ للسّنّة ، ولا خلاف في ذلك . وإن قال:"وأنا أوّل المسلمين"ففي قولٍ عند الحنفيّة: تفسد صلاته ، لأنّ قوله هذا كذبٌ ، فليس هو أوّل المسلمين من هذه الأمّة ، بل أوّلهم محمّدٌ صلى الله عليه وسلم . والأصحّ عندهم أنّ صلاته لا تفسد ، لأنّه تالٍ للآية وحاكٍ لا مخبرٌ . ومن أجل ذلك إذا قصد الإخبار كان كاذبًا ، وتفسد صلاته قطعًا . وكذا قال الإمام الشّافعيّ في الأمّ: يجعل مكان"وأنا أوّل المسلمين: وأنا من المسلمين". وقال البيجوريّ: أو يقول وأنا أوّل المسلمين ، نظرًا للفظ الآية ، ولا يقصد بذلك أنّه أوّل المسلمين حقيقةً وإلاّ كفر . أي لإنكاره إسلام المسلمين قبله . وقال ابن علاّن: ظاهر كلام أئمّتنا أنّ المرأة تقول:"وما أنا من المشركين"، وتقول:"وأنا من المسلمين"، لأنّ مثل ذلك سائغٌ لغةً ، شائعٌ استعمالًا .

وفي التّنزيل { وكانت من القانتين } . وقد « لقّن النّبيّ صلى الله عليه وسلم وأنا من المسلمين وما أنا من المشركين فاطمة رضي الله عنها في ذبح الأضحيّة » . قال: وقياس ذلك أن تأتي المرأة أيضًا بـ ( حنيفًا مسلمًا ) بالتّذكير ، على إرادة الشّخص ، محافظةً على الوارد ما أمكن ، فهما حالان من الفاعل أو المفعول .

الثّالثة: حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: « كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إذا كبّر في الصّلاة سكت هنيهةً قبل القراءة . فقلت يا رسول اللّه: بأبي أنت وأمّي يا رسول اللّه ، في إسكاتك بين التّكبير والقراءة ما تقول ؟ قال: أقول: اللّهمّ باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب . اللّهمّ نقّني من خطاياي كما ينقّى الثّوب الأبيض من الدّنس . اللّهمّ اغسلني من خطاياي بالثّلج وبالماء والبرد » .

مذاهب الفقهاء في الصّيغة المختارة:

8 -اختلف الفقهاء فيما يختارونه من الصّيغ المأثورة على أقوالٍ:

الأوّل: قال جمهور الحنفيّة ، والحنابلة: يستفتح ب ( سبحانك اللّهمّ وبحمدك ... إلخ ) مقتصرًا عليه ، فلا يأتي ب ( وجّهت وجهي ... إلخ ) ولا غيره في الفريضة .

الثّاني: مذهب الشّافعيّة في معتمدهم ، وقول الآجرّيّ من الحنابلة: اختيار الاستفتاح بما في خبر عليٍّ"وجّهت وجهي ...". قال النّوويّ من الشّافعيّة: والّذي يلي هذا الاستفتاح في الفضل حديث أبي هريرة يعني"اللّهمّ باعد ... إلخ".

الثّالث: مذهب أبي يوسف صاحب أبي حنيفة ، وجماعةٍ من الشّافعيّة ، منهم أبو إسحاق المروزيّ ، والقاضي أبو حامدٍ ، وهو اختيار الوزير ابن هبيرة من أصحاب الإمام أحمد: أن يجمع بين الصّيغتين الواردتين"سبحانك اللّهمّ وبحمدك ...""ووجّهت وجهي ..."ونسبه صاحب الإنصاف إلى ابن تيميّة هذا ، وقد استحبّ النّوويّ أيضًا أن يكون الاستفتاح بمجموع الصّيغ الواردة كلّها لمن صلّى منفردًا ، وللإمام إذا أذن له المأمومون وجميع الآراء السّابقة إنّما هي بالنّسبة للفريضة .

أمّا في النّافلة ، وخاصّةً في صلاة اللّيل ، فقد اتّفق الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة على الجمع بين الثّناء ودعاء التّوجّه . قال ابن عابدين: لحمل ما ورد من الأخبار عليها ، فيقوله - أي التّوجّه - في صلاة اللّيل ، لأنّ الأمر فيها واسعٌ . وفي صحيح مسلمٍ « أنّه صلى الله عليه وسلم كان إذا قام إلى الصّلاة » - وفي روايةٍ « إذا استفتح الصّلاة - كبّر ثمّ قال: وجّهت وجهي للّذي فطر السّماوات والأرض حنيفًا ... » وكذا قال أحمد عن سائر الأخبار في الاستفتاح سوى"سبحانك اللّهمّ وبحمدك ...": إنّما هي عندي في التّطوّع .

كيفيّة الإتيان بدعاء الاستفتاح ، وموضعه:

الإسرار بدعاء الاستفتاح:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت