فهرس الكتاب

الصفحة 397 من 2053

7 -ذهب الحنفيّة في ظاهر الرّواية ، والشّافعيّة ، وهو روايةٌ للحنابلة إلى أنّه إذا نام مستندًا إلى شيءٍ - بحيث لو زال لسقط - لا ينتقض وضوء المستند في الأصحّ ، وعليه عامّة المشايخ ، وهذا إذا لم تكن مقعدته زائلةً عن الأرض وإلاّ نقض اتّفاقًا . وذهب المالكيّة ، وهو غير ظاهر الرّواية عند الحنفيّة إلى أنّه ينقض الوضوء ، لأنّه يعتبر من النّوم الثّقيل ، فإن كان لا يسقط فهو من النّوم الخفيف الّذي لا ينقض . والمذهب عند الحنابلة أنّ نوم المستند قليلًا كان أو كثيرًا ينقض .

ب - الاستناد إلى القبور:

8 -يكره الاستناد إلى القبور عند جمهور الفقهاء ، صرّح بذلك الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ، وقد ألحقوا الاستناد بالجلوس الّذي وردت الأحاديث بالنّهي عنه . قال ابن قدامة: يكره الجلوس على القبر ، والاتّكاء عليه ، والاستناد إليه ، لحديث أبي هريرة مرفوعًا: « لأن يجلس أحدكم على جمرةٍ فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خيرٌ له من أن يجلس على قبرٍ » . وقال الخطّابيّ: روي « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم رأى رجلًا قد اتّكأ على قبرٍ فقال: لا تؤذ صاحب القبر » .

وقد قيّد الشّافعيّة الكرامة بعدم الحاجة إلى الاستناد ، وبكون الاستناد إلى قبر مسلمٍ . وقواعد غيرهم لا تأبى هذا التّقييد . وأمّا المالكيّة فيرون أنّه لا كراهة في الجلوس على القبر ، ومن باب أولى الاستناد إليه . قال الدّسوقيّ: يجوز الجلوس على القبر مطلقًا . وأمّا ما ورد من حرمة الجلوس على القبر فهو محمولٌ على الجلوس لقضاء الحاجة .

المبحث الثّاني: الاستناد بمعنى الاحتجاج:

9 -يأتي الاستناد بمعنى الاحتجاج بما يقوّي القضيّة المدّعاة ، ويكون إمّا في مقام المناظرة والاستدلال والاجتهاد ، فيرجع لمعرفة أحكامه إلى أبواب الأدلّة ، وباب الاجتهاد من علم الأصول . وإمّا في دعوى أمام القضاء ، فيرجع لمعرفة أحكامه إلى مصطلح ( إثباتٌ ) .

المبحث الثّالث: الاستناد بمعنى ثبوت الحكم بأثرٍ رجعيٍّ:

10 -الاستناد بهذا المعنى: هو أن يثبت الحكم في الحال لتحقّق علّته ، ثمّ يعود الحكم القهقريّ ليثبت في الماضي تبعًا لثبوته في الحاضر . ومن أمثلته: أنّ المغصوب إذا تلف تحت يد الغاصب بفعله أو بغير فعله يضمنه بمثله أو بقيمته ، فإذا ضمنه ملكه ملكًا مستندًا إلى وقت وجود سبب الضّمان ، حتّى أنّه يملك زوائده المتّصلة الّتي وجدت من حين الغصب إلى حين الضّمان ، لأنّها نماء ملكه .

ومن أمثلته أيضًا أنّ البيع الموقوف نفاذه على إجازة من له حقّ الإجازة - كبيع الصّبيّ المميّز يقف نفاذه على إجازة وليّه - إذا أجازه نفذ نفاذًا مستندًا إلى وقت وجود العقد ، حتّى يملك المشتري زوائده المتّصلة والمنفصلة . واستعمال لفظ الاستناد بهذا المعنى هو مصطلحٌ للحنفيّة خاصّةً . والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة يستعملون بدلًا منه اصطلاح"التّبيّن"، والمالكيّة يعبّرون أيضًا عن ذلك المعنى"بالانعطاف". ومعنى الاستناد في الإجازة مثلًا أنّ العقد الموقوف إذا أجيز يكون للإجازة استنادٌ وانعطافٌ ، أي تأثيرٌ رجعيٌّ ، فبعد الإجازة يستفيد العاقد من ثمرات العقد منذ انعقاده ، لأنّ الإجازة لم تنشئ العقد إنشاءً بل أنفذته إنفاذًا ، أي فتحت الطّريق لآثاره الممنوعة المتوقّفة لكي تمرّ وتسري ، فتلحق تلك الآثار بالعقد المولّد لها اعتبارًا من تاريخ انعقاده ، لا من تاريخ الإجازة فقط . فبعد الإجازة يعتبر الفضوليّ كوكيلٍ عن صاحب العقد قبل العقد ، وبما أنّ تصرّفات الوكيل نافذةٌ على الموكّل منذ صدورها ، يكون عقد الفضوليّ نافذًا على المجيز نفاذًا مستندًا إلى تاريخ العقد .

هذا ، ومن أجل أنّ هذا الاصطلاح خاصٌّ بالحنفيّة فسيكون كلامنا في هذا المبحث معبّرًا عن مذهب الحنفيّة خاصّةً ، إلاّ في المواضع الّتي ينصّ فيها على غيرهم .

11 -وقد ذكر ابن نجيمٍ أنّ الأحكام تثبت بطرقٍ أربعٍ ، فذكر مع الاستناد الّذي سبق بيانه:

أ - الاقتصار: وهو الأصل . كما إذا أنشأ طلاقًا منجّزًا غير معلّقٍ ، فإنّ الطّلاق يقع عند هذا القول في الحال ، فيقتصر عليه ولا يكون له أثرٌ رجعيٌّ .

ب - والانقلاب: هو أن يثبت الحكم في وقتٍ لاحقٍ متأخّرٍ عن القول ، كما لو قال لزوجته: أنت طالقٌ إن دخلت الدّار ، لا يثبت به الطّلاق في الحال ، لكن إن دخلتها طلقت بدخولها . ووجه تسميته انقلابًا: أنّ ما ليس بعلّةٍ - وهو الصّيغة المعلّقة - انقلب علّةً بوجود الدّخول ، إذ أنّ قوله: أنت طالقٌ ليس بعلّةٍ للطّلاق قبل دخولها البيت ، ومتى دخلت انقلب فأصبح علّةً ، لأنّ ذلك القائل جعل للعلّيّة شرطًا وقد تحقّق .

ج - والتّبيّن أو الظّهور: وهو أن يظهر في الحال أنّ الحكم كان ثابتًا من قبل ، كما لو قال يوم الجمعة: إن كان زيدٌ في الدّار فأنت طالقٌ ، ثمّ يتبيّن يوم السّبت أنّ زيدًا كان في الدّار يوم الجمعة ، فإنّ الطّلاق يقع يوم الجمعة عند قوله ذاك ، وإن لم يتبيّن أنّه وقع يوم الجمعة إلاّ في يوم السّبت . والعدّة تبتدئ يوم الجمعة .

التّفريق بين الاستناد والتّبيّن:

12 -في حالة الاستناد لم يكن الحكم ثابتًا في نفس الأمر في الماضي ، ثمّ لمّا ثبت في الحاضر رجع ثبوته القهقريّ فانسحب على المدّة السّابقة ، أمّا في التّبيّن فقد كان الحكم ثابتًا في نفس الأمر ولكن تأخّر العلم به ، ومن هنا ظهر بين الأمرين الفروق التّالية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت