وَمِنْهَا: تَعَلُّمُ أَدِلَّةِ الْقِبْلَةِ عَلَى مَا صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ . وَمِنْهَا: صَلَاةُ الْعِيدِ عَلَى وَجْهٍ . وَمِنْهَا: صَلَاةُ الْكُسُوفِ عَلَى وَجْهٍ حَكَاهُ فِي الْحَاوِي وَجَزَمَ بِهِ الْخَفَّافُ فِي الْخِصَالِ . وَمِنْهَا: صَلَاةُ الِاسْتِسْقَاءِ عَلَى وَجْهٍ , حَكَاهُ فِي الْكِفَايَةِ وَمِنْهَا: إحْيَاءُ الْكَعْبَةِ كُلُّ سَنَةٍ بِالْحَجِّ . قَالَ الرَّافِعِيُّ: هَكَذَا أَطْلَقُوهُ , وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الْعُمْرَةُ كَالْحَجِّ , بَلْ الِاعْتِكَافِ وَالصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَإِنَّ التَّعْظِيمَ وَإِحْيَاءَ الْبُقْعَةِ يَحْصُلُ بِكُلِّ ذَلِكَ , وَاسْتَدْرَكَهُ النَّوَوِيُّ بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُحَصِّلُ مَقْصُودَ الْحَجِّ , فَإِنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلَى الرَّمْيِ وَالْوُقُوفِ وَالْمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ وَمِنًى وَإِحْيَاءِ تِلْكَ الْبِقَاعِ بِالطَّاعَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ . قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ: وَكَلَامُ النَّوَوِيِّ لَا يُلَاقِي كَلَامَ الرَّافِعِيِّ فَإِنَّ الْكَلَامَ فِي إحْيَاءِ الْكَعْبَةِ لَا فِي إحْيَاءِ هَذِهِ الْبِقَاعِ قَالَ: وَإِنْ كَانَ الْمُتَّجِهُ فِي الصَّلَاةِ وَالِاعْتِكَافِ مَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِمَا إحْيَاءُ الْكَعْبَةِ وَلَوْ كَانَ الِاعْتِكَافُ دَاخِلَهَا لِعَدَمِ الِاخْتِصَاصِ , قَالَ: وَالْمُتَّجِهُ أَنَّ الطَّوَافَ كَالْعُمْرَةِ . وَأَجَابَ الْبُلْقِينِيُّ عَنْ بَحْثِ الرَّافِعِيِّ: بِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْأَعْظَمَ بِبِنَاءِ الْبَيْتِ: الْحَجُّ , فَكَانَ إحْيَاؤُهُ بِهِ بِخِلَافِ الْعُمْرَةِ وَالِاعْتِكَافِ وَالصَّلَاةِ وَالطَّوَافِ قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: وَلَا يُشْتَرَطُ عَدَدٌ مَخْصُوصٌ بَلْ الْفَرْضُ حَجُّهَا فِي الْجُمْلَةِ وَقَالَ الْإِسْنَوِيُّ وَغَيْرُهُ: الْمُتَّجِهُ اعْتِبَارُ عَدَدٍ يَظْهَرُ بِهِ الشِّعَارُ تَنْبِيهَانِ: الْأَوَّلُ: عُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ: أَنَّ إحْيَاءَ الْكَعْبَةِ كُلَّ سَنَةٍ بِالْحَجِّ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَأَنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ إذَا قَامَ بِهِ زِيَادَةٌ عَلَى مَنْ يُسْقِطُهُ فَالْكُلُّ فَرْضٌ أَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ وُقُوعُ الْحَجِّ نَفْلًا , وَأَنَّ قَاعِدَةَ"إنَّ الْفِعْلَ لَا يَجِبُ إتْمَامُهُ بِالشُّرُوعِ"غَيْرُ مَنْقُوضَةٍ الثَّانِي إنْ ثَبَتَ مَا تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ مِنْ أَنَّ الْعُمْرَةَ لَا يَحْصُلُ بِهَا الْإِحْيَاءُ زَالَ الْإِشْكَالُ فِي كَوْنِ الطَّوَافِ أَفْضَلَ مِنْهَا لِكَوْنِهَا تَقَعُ مِنْ الْمُتَطَوِّعِ نَفْلًا , وَمَسْأَلَةُ التَّفْضِيلِ بَيْنَ الطَّوَافِ وَالْعُمْرَةِ: مُخْتَلَفٌ فِيهَا وَأَلَّفَ فِيهَا الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ كِتَابًا قَالَ فِيهِ: ذَهَبَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ عَصْرِنَا إلَى تَفْضِيلِ الْعُمْرَةِ وَرَأَوْا أَنَّ الِاشْتِغَالَ بِهَا أَفْضَلُ مِنْ الطَّوَافِ وَذَلِكَ خَطَأٌ ظَاهِرٌ وَأَدَلُّ دَلِيلٍ عَلَى خَطَئِهِ مُخَالَفَةُ السَّلَفِ الصَّالِحِ , فَإِنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ تَكْرَارُ الْعُمْرَةِ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَلَا عَنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَقَدْ رَوَى الْأَزْرَقِيُّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ سَأَلَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ: الطَّوَافُ أَفْضَلُ أَمْ الْعُمْرَةُ ؟ فَقَالَ: الطَّوَافُ . وَقَالَ طَاوُسٌ: الَّذِينَ يَعْتَمِرُونَ مِنْ التَّنْعِيمِ مَا أَدْرِي: يُؤْجَرُونَ أَمْ يُعَذَّبُونَ ؟ قِيلَ: لِمَ ؟ قَالَ: لِأَنَّ أَحَدَهُمْ يَدَعُ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ , وَيَخْرُجُ إلَى أَرْبَعَةِ أَمْيَالٍ , وَيَجِيءُ وَقَدْ ذَهَبَ أَحْمَدُ إلَى كَرَاهَةِ تَكْرَارِهَا فِي الْعَامِ وَلَمْ يَذْهَبْ أَحَدٌ إلَى كَرَاهَةِ تَكْرَارِ الطَّوَافِ بَلْ أَجْمَعُوا عَلَى اسْتِحْبَابِهِ . وَهَذَا الَّذِي اخْتَارَهُ مَنْ يُفَضِّلُ الطَّوَافَ عَلَيْهَا , هُوَ الَّذِي نَصَرَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَأَبُو شَامَةَ وَحَكَى بَعْضُهُمْ فِي التَّفْضِيلِ بَيْنَهُمَا احْتِمَالَاتٍ ثَالِثُهَا: إنْ اسْتَغْرَقَ زَمَانَ الِاعْتِمَارِ , فَالطَّوَافُ أَفْضَلُ وَإِلَّا , فَهِيَ أَفْضَلُ وَقَالَ فِي الْخَادِمِ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ حِكَايَةَ الْخِلَافِ فِي التَّفْضِيلِ لَا تَتَحَقَّقُ , فَإِنَّهُ إنَّمَا يَقَعُ بَيْنَ مُتَسَاوِيَيْنِ فِي الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ ; فَلَا تَفْضِيلَ بَيْنَ وَاجِبٍ وَمَنْدُوبٍ . وَلَا شَكَّ أَنَّ الْعُمْرَةَ لَا تَقَعُ مِنْ الْمُتَطَوِّعِ إلَّا فَرْضَ كِفَايَةٍ , وَالْكَلَامُ فِي الطَّوَافِ الْمَسْنُونِ . نَعَمْ إنْ قُلْنَا إنَّ إحْيَاءَ الْكَعْبَةِ يَحْصُلُ بِالطَّوَافِ كَمَا يَحْصُلُ بِالْحَجِّ وَالِاعْتِمَارِ وَقَعَ الطَّوَافُ أَيْضًا فَرْضَ كِفَايَةٍ لَكِنَّهُ بَعِيدٌ ا هـ . قَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ: وَالْمُرَادُ بِكَوْنِ الطَّوَافِ أَفْضَلَ: الْإِكْثَارُ مِنْهُ دُونَ أُسْبُوعٍ وَاحِدٍ , فَإِنَّهُ مَوْجُودٌ فِي الْعُمْرَةِ وَزِيَادَةٌ قُلْت: وَنَظِيرُهُ مَا فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: أَنَّ قَوْلَنَا: الصَّلَاةُ أَفْضَلُ مِنْ الصَّوْمِ , الْمُرَادُ بِهِ الْإِكْثَارُ مِنْهَا بِحَيْثُ تَكُونُ غَالِبَةً عَلَيْهِ , وَإِلَّا فَصَوْمُ يَوْمٍ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ رَكْعَتَيْنِ بِلَا شَكٍّ .
وفي الغرر البهية: