فهرس الكتاب

الصفحة 581 من 2053

الفرع الثّالث: إذا تزوّجت في عدّتها من الطّلاق ، فدخل بها الثّاني ، ثمّ فرّق بينهما ، اعتدّت بقيّة عدّتها من الأوّل ، ثمّ اعتدّت من الثّاني ، وقيل: تعتدّ من الثّاني وتجزيها عنهما ، وإن كانت حاملًا فالوضع يجزي عن العدّتين اتّفاقًا . والتّفصيل في مصطلح: ( عدّة ) .

ثامنًا: تداخل الجنايات على النّفس والأطراف:

18 -ذكر الحنفيّة أنّ الجنايات على النّفس والأطراف إذا تعدّدت ، كما لو قطع عضوًا من أعضائه ، ثمّ قتله ، فإنّها لا تتداخل إلاّ في حالة اجتماع جنايتين على واحد ، ولم يتخلّلهما برء ، وصورها ستّ عشرة ، كما ذكر ابن نجيم في الأشباه ، لأنّه إذا قطع ثمّ قتل ، فإمّا أن يكونا عمدين أو خطأين ، أو أحدهما عمدًا والآخر خطأً ، وكلّ من الأربعة إمّا على واحد أو اثنين ، وكلّ من الثّمانية . إمّا أن يكون الثّاني قبل البرء أو بعده .

وذكر المالكيّة أنّ الجناية على الطّرف تندرج في الجناية على النّفس ، أي في القصاص ، إن تعمّدها الجاني ، سواء أكان الطّرف للمقتول أم لغيره بأن قطع يد شخص عمدًا ، وفقأ عين آخر عمدًا ، فيقتل فقط ولا يقطع شيء من أطرافه ولا تفقأ عينه ، إن لم يقصد الجاني بجنايته على الطّرف مثلةً - أي تمثيلًا وتشويهًا - فإن قصدها فلا يندرج الطّرف في القتل ، فيقتصّ من الطّرف ، ثمّ يقتل .

أمّا إذا لم يتعمّد الجاني الجناية على الطّرف ، فإنّها لا تندرج في الجناية على النّفس ، كما لو قطع يد شخص خطأً ، ثمّ قتله عمدًا عدوانًا ، فإنّه يقتل به ، ودية اليد على عاقلته .

وذكر الشّافعيّة أنّ الجناية على النّفس والأطراف إذا اتّفقتا في العمد أو الخطأ ، وكانت الجناية على النّفس بعد اندمال الجناية على الطّرف وجبت دية الطّرف بلا خلاف . أمّا إذا كانت الجناية على النّفس قبل اندمال الجناية على الطّرف فوجهان ، أصحّهما: دخول الجناية على الطّرف في الجناية على النّفس ، بحيث لا يجب إلاّ ما يجب في النّفس كالسّراية . وثانيهما: عدم التّداخل بين الجنايتين ، خرّجه ابن سريج ، وبه قال الإصطخريّ ، واختاره إمام الحرمين . أمّا إذا كانت إحداهما عمدًا والأخرى خطأً ، وقلنا بالتّداخل عند الاتّفاق ، فهنا وجهان: أحدهما التّداخل أيضًا . وأصحّهما: لا ، لاختلافهما .

والحنابلة يقولون: التّداخل في القصاص في إحدى الرّوايتين عن أحمد فيما لو جرح رجل رجلًا ، ثمّ قتله قبل اندمال جرحه ، واختار الوليّ القصاص ، فعلى هذه الرّواية ليس للوليّ إلاّ ضرب عنقه بالسّيف . لقوله صلى الله عليه وسلم: « لا قَوَدَ إلاّ بالسّيفِ » ، وليس له جرحه أو قطع طرفه ، لأنّ القصاص أحد بدلي النّفس ، فدخل الطّرف في حكم الجملة كالدّية. والرّواية الثّانية: أنّ للوليّ أن يفعل بالجاني مثلما فعل ، لقوله تعالى: { وإنْ عَاقَبْتُم فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُم به } . أمّا إذا عفا الوليّ عن القصاص ، أو صار الأمر إلى الدّية لكون الفعل خطأً أو شبه عمد ، فالواجب حينئذ دية واحدة ، لأنّه قتل قبل استقرار الجرح ، فدخل أرش الجراحة في أرش النّفس والتّفصيل في مصطلح: ( جناية ) .

تاسعًا: تداخل الدّيات:

19 -لا خلاف بين الفقهاء في أنّ الدّيات قد تتداخل ، فيدخل الأدنى منها في الأعلى ، ومن ذلك دخول دية الأعضاء والمنافع في دية النّفس ، ودخول أرش الموضحة المذهبة للعقل في دية العقل ، ودخول حكومة الثّدي في دية الحلمة إلى غير ذلك من الفروع .

والتّفصيل في مصطلح: ( دية ) .

عاشرًا: تداخل الحدود:

20 -اتّفق الفقهاء على أنّ الحدود - كحدّ الزّنى والسّرقة والشّرب - إذا اتّفقت في الجنس والموجب أي الحدّ فإنّها تتداخل ، فمن زنى مرارًا ، أو سرق مرارًا ، أو شرب مرارًا ، أقيم عليه حدّ واحد للزّنى المتكرّر ، وآخر للسّرقة المتكرّرة . وآخر للشّرب المتكرّر ، لأنّ ما تكرّر من هذه الأفعال هو من جنس ما سبقه ، فدخل تحته . ومثل ذلك حدّ القذف إذا قذف شخصًا واحدًا مرارًا ، أو قذف جماعةً بكلمة واحدة ، فإنّه يكتفي فيه بحدّ واحد اتّفاقًا ، بخلاف ما لو قذف جماعةً بكلمات ، أو خصّ كلّ واحد منهم بقذف .

واتّفق الفقهاء أيضًا على أنّ من زنى أو سرق أو شرب ، فأقيم عليه الحدّ ، ثمّ صدر منه أحد هذه الأفعال مرّةً أخرى ، فإنّه يحدّ ثانيًا ، ولا يدخل تحت الفعل الّذي سبقه ، واتّفقوا أيضًا على عدم التّداخل بين هذه الأفعال عند اختلافها في الجنس والقدر الواجب فيها ، فمن زنى وسرق وشرب حدّ لكلّ فعل من هذه الأفعال ، لاختلافها في الجنس والقدر الواجب فيها ، فلا تتداخل . أمّا إذا اتّحدت في القدر الواجب واختلفت في الجنس ، كالقذف والشّرب مثلًا ، فلا تداخل بينها عند غير المالكيّة ، وأمّا عند المالكيّة فتتداخل ، لاتّفاقها في القدر الواجب فيها ، وهو الحدّ ، فإنّ الواجب في القذف ثمانون جلدةً وفي الشّرب أيضًا مثله ، فإذا أقيم عليه أحدهما سقط عنه الآخر . ولو لم يقصد عند إقامة الحدّ إلاّ واحدًا فقط ، ثمّ ثبت أنّه شرب أو قذف ، فإنّه يكتفي بما ضرب له عمّا ثبت .

ومثل ذلك عندهم - أي المالكيّة - ما لو سرق وقطع يمين آخر ، فإنّه يكتفي فيه بحدّ واحد . وهذا كلّه إذا لم يكن في تلك الحدود القتل ، فإن كان فيها القتل ، فإنّه يكتفي به عند الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ، لقول ابن مسعود: ما كانت حدود فيها قتل إلاّ أحاط القتل بذلك كلّه ، ولأنّ المقصود الزّجر وقد حصل . واستثنى المالكيّة من ذلك حدّ القذف ، فقد ذكروا أنّه لا يدخل في القتل ، بل لا بدّ من استيفائه قبله .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت