وذهب أحمد وجماعة من المالكيّة إلى جواز الوصال إلى السّحر ، وبهذا قال إسحاق وابن المنذر وابن خزيمة . ويرى الشّافعيّة في الوجه الآخر ، وهو ما صحّحه ابن العربيّ من المالكيّة: تحريم وصال الصّوم . وللتّفصيل ( ر: صوم ) .
د - إفراد يوم عاشوراء بالصّوم:
15 -ذهب الحنفيّة - وهو مقتضى كلام أحمد كما يقول ابن تيميّة - إلى كراهة إفراد يوم عاشوراء بالصّوم للتّشبّه باليهود . فقد روى مسلم عن ابن عبّاس رضي الله عنهما أنّه قال: « حين صام رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء وأمر بصيامه قالوا: يا رسول اللّه ، إنّه يوم تعظّمه اليهود والنّصارى . فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: فإذا كان العام المقبل إن شاء اللّه صمنا اليوم التّاسع » قال: فلم يأت العام المقبل حتّى توفّي رسول اللّه صلى الله عليه وسلم .
قال النّوويّ ، نقلا عن بعض العلماء في تعليقه على الحديث: لعلّ السّبب في صوم التّاسع مع العاشر أن لا يتشبّه باليهود في إفراد العاشر ، وفي الحديث إشارة إلى هذا .
هذا ، واستحبّ الشّافعيّة والحنابلة صوم عاشوراء - وهو العاشر من المحرّم - وتاسوعاء - وهو التّاسع منه - ويرى الحنفيّة أنّه يستحبّ أن يصوم قبل عاشوراء يومًا وبعده يومًا . وقال المالكيّة: ندب صوم عاشوراء وتاسوعاء والثّمانية قبله .
وتفصيل ر: ( صوم ، وعاشوراء ) .
رابعًا: التّشبّه بالفَسَقَة:
16 -قال القرطبيّ: لو خصّ أهل الفسوق والمجون بلباس منع لبسه لغيرهم ، فقد يظنّ به من لا يعرفه أنّه منهم ، فيظنّ به ظنّ السّوء فيأثم الظّانّ والمظنون فيه بسبب العون عليه . وللتّفصيل ر: ( شهادة ، فسق ) .
خامسًا - تشبّه الرّجال بالنّساء وعكسه:
17 -ذهب جمهور العلماء إلى تحريم تشبّه النّساء بالرّجال والرّجال بالنّساء .
فقد روي البخاريّ عن ابن عبّاس رضي الله عنهما أنّه قال: « لعن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم المتشبّهين من الرّجال بالنّساء ، والمتشبّهات من النّساء بالرّجال » .
وذهب الشّافعيّة في قول ، وجماعة من الحنابلة إلى كراهة تشبّه الرّجال بالنّساء وعكسه . والتّشبّه يكون في اللّباس والحركات والسّكنات والتّصنّع بالأعضاء والأصوات .
ومثال ذلك: تشبّه الرّجال بالنّساء في اللّباس والزّينة الّتي تختصّ بالنّساء ، مثل لبس المقانع والقلائد والمخانق والأسورة والخلاخل والقرط ونحو ذلك ممّا ليس للرّجال لبسه . وكذلك التّشبّه بهنّ في الأفعال الّتي هي مخصوصة بها كالانخناث في الأجسام والتّأنّث في الكلام والمشي. كذلك تشبّه النّساء بالرّجال في زيّهم أو مشيهم أو رفع صوتهم أو غير ذلك.
وهيئة اللّباس قد تختلف باختلاف عادة كلّ بلد ، فقد لا يفترق زيّ نسائهم عن زيّ رجالهم لكن تمتاز النّساء بالاحتجاب والاستتار . قال الإسنويّ: إنّ العبرة في لباس وزيّ كلّ من النّوعين - حتّى يحرم التّشبّه به فيه - بعرف كلّ ناحية .
وأمّا ذمّ التّشبّه بالكلام والمشي فمختصّ بمن تعمّد ذلك ، وأمّا من كان ذلك من أصل خلقته فإنّما يؤمر بتكلّف تركه والإدمان على ذلك بالتّدريج ، فإن لم يفعل وتمادى دخله الذّمّ ، ولا سيّما إن بدا منه ما يدلّ على الرّضا به .
هذا ويجب إنكار التّشبّه باليد ، فإن عجز فباللّسان مع أمن العاقبة ، فإن عجز فبقلبه كسائر المنكرات . ويترتّب على هذا أنّه يجب على الزّوج أن يمنع زوجته ممّا تقع فيه من التّشبّه بالرّجال في لبسة أو مشية أو غيرهما ، امتثالًا لقوله تعالى: { قُوا أَنْفسَكم وَأَهليكمْ نَارًا } أي بتعليمهم وتأديبهم وأمرهم بطاعة ربّهم ونهيهم عن معصيته .
سادسًا: تشبّه أهل الذّمّة بالمسلمين:
18 -يؤخذ أهل الذّمّة بإظهار علامات يعرفون بها ، ولا يتركون يتشبّهون بالمسلمين في لباسهم ومراكبهم وهيئاتهم . والأصل فيه ما روي"أنّ عمر بن عبد العزيز رحمه الله مرّ على رجال ركوب ذوي هيئة ، فظنّهم مسلمين فسلّم عليهم ، فقال له رجل من أصحابه: أصلحك اللّه تدري من هؤلاء ؟ فقال: من هم ؟ فقال: نصارى بني تغلب . فلمّا أتى منزله أمر أن ينادى في النّاس أن لا يبقى نصرانيّ إلا عقد ناصيته وركب الإكاف". ولم ينقل أنّه أنكر عليه أحد ، فيكون كالإجماع . ولأنّ السّلام من شعائر الإسلام فيحتاج المسلمون إلى إظهار هذه الشّعائر عند الالتقاء ، ولا يمكنهم ذلك إلّا بتمييز أهل الذّمّة بالعلامة .
هذا ، وإذا وجب التّمييز وجب أن يكون فيه صغار لا إعزاز ، لأنّ إذلالهم واجب بغير أذى من ضرب أو صفع بلا سبب يكون منه ، بل المراد اتّصافه بهيئة خاصّة .
وكذا يجب أن يتميّز نساء أهل الذّمّة عن نساء المسلمين في حال المشي في الطّريق ، وتجعل على دورهم علامة كي لا يعاملوا بما يختصّ به المسلمون ، ولا يمنعون من أن يسكنوا في أمصار المسلمين في غير جزيرة العرب يبيعون ويشترون ، لأنّ عقد الذّمّة شرع ليكون وسيلة لهم إلى الإسلام . وتمكينهم من المقام أبلغ إلى هذا المقصود .
وللتّفصيل في الأمور الّتي يمنع تشبّه أهل الذّمّة فيه بالمسلمين تنظر أبواب الجزية وعقد الذّمّة من كتب الفقه .