فهرس الكتاب

الصفحة 671 من 2053

ومذهب الحنابلة أنّ تفرّق الصّفقة يكون بتعدّد البائع أو المشتري أو المبيع أو بتفصيل الثّمن ، على الصّحيح عندهم . فإذا اشترى اثنان شيئًا ، وشرطا الخيار ، أو وجداه معيبًا فرضي أحدهما فللآخر الفسخ بناء على تعدّد الصّفقة بتعدّد الطّرفين . وهو الصّحيح عندهم ، وفي قول لا تفرّق بناء على أنّ الصّفقة لا تتعدّد بتعدّد الطّرفين .

وكذلك لو اشترى واحد من اثنين شيئا وظهر به عيب فله ردّ نصيب أحدهما وإمساك الآخر ، تفريقا للصّفقة ، وهو رأي المالكيّة والتّفصيل في مصطلح ( الرّدّ بالعيب ) .

تفريق الصّفقة المشتملة على ما يجوز بيعه ، وما لا يجوز:

إذا اشتملت الصّفقة على ما يجوز بيعه وما لا يجوز ، فقد اختلف الفقهاء في حكمها على النّحو التّالي:

مذهب الحنفيّة:

8 -ذهب الحنفيّة إلى جواز تفريق الصّفقة ، إذا جمع فيها بين ما يملكه وما لا يملكه ، كداره ودار غيره ، فيصحّ البيع ، وينفذ في ملكه بقسطه من الثّمن باتّفاق أئمّتهم ، ويصحّ في ملك غيره موقوفًا على الإجازة . أمّا إذا جمع فيها بين ميتة ومذكّاة أو خلّ وخمر ، فيبطل فيهما ، إن لم يسمّ لكلّ واحد ثمنا عند أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمّد .

أمّا إذا سمّى لكلّ واحد منهما ثمنًا فاختلفوا فيها: فذهب الإمام أبو حنيفة إلى أنّ البيع يبطل فيهما ، لأنّ الميتة والخمر ليسا بمال ، والبيع صفقة واحدة ، فكان القبول في الميتة كالمشروط للبيع في المذبوحة ، وهو شرط فاسد مفسد للعقد في المذبوحة ، بخلاف بيع ما يملكه وما لا يملكه فالبيع موقوف ، وقد دخلا تحت العقد لقيام الماليّة .

وذهب الصّاحبان إلى صحّة العقد في الحلال بقسطه من الثّمن ، إذا سمّي لكلّ منهما قسط من الثّمن . لأنّ الفساد لا يتعدّى المحلّ الفاسد ، وهو عدم الماليّة في الميتة ، فلا يتعدّى إلى غيرها إذ لا موجب لتعدّيه ، لأنّ كلّا منهما قد انفصل عن الآخر بتفصيل الثّمن ، بدليل ما لو كانتا مذكّاتين فتلفت إحداهما قبل القبض بقي العقد في الأخرى .

مذهب المالكيّة:

9 -إذا جمعت الصّفقة بين حلال وحرام بطلت فيهما عندهم ، إذا علم العاقدان الحرام أو علمه أحدهما . أمّا إذا لم يعلما ، كأن باع قلّتي خلّ وخمر على أنّهما خلّ ، فبانت إحداهما خمرا ، أو باع شاتين على أنّهما مذبوحتان فبانت إحداهما ميتة ، فله التّمسّك بالباقي بقسطه من الثّمن ، يرجع على البائع بما يخصّ الخمر والميتة من الثّمن لفساد بيعه .

مذهب الشّافعيّة:

10 -ذهب الشّافعيّة إلى أنّ تفريق الصّفقة ثلاثة أقسام:

أ - أن يكون التّفريق في الابتداء .

ب - أو في الدّوام .

ج - أو في اختلاف الحكم . فأمّا تفريقها ابتداء ، فكأن يبيع حلالًا وحرامًا في صفقة واحدة ، كشاة وخنزير ، أو خلّ وخمر ، أو ميتة ومذكّاة ، أو داره ودار غيره بغير إذن صاحبها . فيصحّ البيع في كلّ ذلك فيما يجوز بيعه من الحلال ، وما يملكه بقسطه من الثّمن ، إعطاء لكلّ حكمه ، لأنّ الصّفقة اشتملت على صحيح وفاسد ، فالعدل تصحيحها في الصّحيح ، وقصر الفساد على الفاسد ، كنظيره فيما لو شهد فاسق وعدل . وفي قول يصحّ العقد بجميع الثّمن للحلال ، لأنّ العقد يتوجّه إلى ما يجوز بيعه ، فكان الآخر كالمعدوم . وفي قول: يبطل فيهما ، لأنّ الصّفقة جمعت بين حلال وحرام ، فغلب الحرام ، لقول ابن عبّاس: ما اجتمع حلال وحرام ، إلّا غلب الحرام الحلال ، ولجهالة العوض الّذي يقابل الحلال .

وأمّا تفريق الصّفقة في الدّوام فكأن يبيع شاتين له ، فتلفت إحداهما قبل القبض ، فلا ينفسخ العقد ، بل يتخيّر المشتري بين الفسخ والإجازة ، فإن أجاز يأخذ الباقي بقسطها من الثّمن . وأمّا تفريقها في اختلاف الحكم فكما لو شملت الصّفقة مختلفي الحكم ، كإجارة وبيع بثمن واحد ، أو إجارة وسلم صحّا ، ويوزّع المسمّى على القيمة ، وكذا بيع ونكاح ، فيصحّ النّكاح بلا خلاف ، لأنّ المال ليس شرطا فيه ، وفي البيع والصّداق قولان: الأظهر صحّتهما ، ويوزّع المسمّى على قيمة المبيع ومهر المثل .

مذهب الحنابلة:

11 -قسّم الحنابلة هذه المسألة إلى ثلاثة أقسام:

أحدها: أن يبيع معلوما ومجهولا في صفقة واحدة بثمن واحد ، كأن يقول بعتك هذه الفرس ، وما في بطن هذه الفرس الأخرى ، بألف . فهذا باطل . لأنّ المجهول لا يصحّ بيعه لجهالته ، فيصير المبيع المعلوم مجهول الثّمن ولا سبيل إلى معرفته ، لأنّ المعرفة إنّما تكون بتقسيط الثّمن على المبيعين ، والمجهول لا يمكن تقويمه فيتعذّر التّقسيط .

ثانيها: أن يكون المبيعان ممّا ينقسم الثّمن عليهما بالأجزاء ، كدار مشتركة بينه وبين غيره باعها بغير إذن شريكه ، ففي ذلك عند الحنابلة وجهان:

أحدهما: يصحّ البيع في ملكه بقسطه من الثّمن ، ويبطل فيما لا يملكه . لأنّ لكلّ واحد منهما حكم المستقلّ لو انفرد ، فإذا جمع بينهما ثبت لكلّ واحد منهما حكمه . وهو كما سبق قول أبي حنيفة وأحد قولي الشّافعيّ .

والوجه الثّاني: لا يصحّ البيع ، لأنّ الصّفقة جمعت حلالًا وحرامًا ، فغلب التّحريم ، ولأنّ الصّفقة إذا لم يمكن تصحيحها في جميع المعقود عليه بطلت في الكلّ ، كالجمع بين الأختين . وهو قول للشّافعيّة .

ثالثها: أن يكون المبيعان معلومين ممّا لا ينقسم عليهما الثّمن بالأجزاء ، وأحدهما ممّا يصحّ بيعه والآخر ممّا لا يصحّ ، كخلّ وخمر ، وميتة ومذكّاة ، ومقدور التّسليم وغير مقدور التّسليم ، فيبطل البيع فيما لا يصحّ بيعه ، وفي الآخر روايتان:

إحداهما: يصحّ فيه البيع بقسطه من الثّمن ، وهو الأظهر من قولين للشّافعيّة ، لأنّه يصحّ بيعه منفردا فلم يبطل بانضمام غيره إليه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت