فهرس الكتاب

الصفحة 674 من 2053

11 -يجوز تقبيل يد العالم الورع والسّلطان العادل ، وتقبيل يد الوالدين ، والأستاذ ، وكلّ من يستحقّ التّعظيم والإكرام ، كما يجوز تقبيل الرّأس والجبهة وبين العينين ، ولكن كلّ ذلك إذا كان على وجه المبرّة والإكرام ، أو الشّفقة عند اللّقاء والوداع ، وتديّنًا واحترامًا مع أمن الشّهوة . وقد ثبت أنّ « النّبيّ صلى الله عليه وسلم عانق جعفرا حين قدم من الحبشة وقبّل بين عينيه » وروي « عن ابن عمر رضي الله عنه أنّه كان في سريّة من سرايا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فذكر قصّة قال: فدنونا من النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقبّلنا يده » . قال ابن بطّال: أنكر مالك تقبيل اليد وأنكر ما روي فيه .

قال الأبهريّ: وإنّما كرهه مالك إذا كان على وجه التّعظيم والتّكبّر .

وأمّا إذا كان على وجه القربة إلى اللّه لدينه أو لعلمه أو لشرفه فإنّ ذلك جائز .

كذلك يجوز بل يسنّ تقبيل الولد للمودّة على الرّأس والجبهة والخدّ ، لحديث أبي هريرة قال: « قبّل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم حسين بن عليّ ، فقال الأقرع بن حابس: إنّ لي عشرة من الولد ما قبّلت منهم أحدا ، فقال: من لا يرحم لا يرحم » .

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: « جاء أعرابيّ إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: تقبّلون الصّبيان فما نقبّلهم ، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: أوأملك لك أن نزع اللّه من قلبك الرّحمة ؟ » .

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: « ما رأيت أحدًا أشبه سمتا وهديا برسول اللّه صلى الله عليه وسلم من فاطمة ابنته ، وكانت إذا دخلت عليه قام إليها يقبّلها وأجلسها في مجلسه ، وكان النّبيّ صلى الله عليه وسلم إذا دخل عليها قامت له فتقبّله وتجلسه في مجلسها » .

ب - تقبيل الميّت:

12 -يجوز لأهل الميّت وأقربائه وأصدقائه تقبيل وجهه ، لما روت عائشة رضي الله عنها « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قبّل عثمان بن مظعون وهو ميّت ، وهو يبكي أو عيناه تذرفان » وروي كذلك عن عائشة رضي الله عنها قالت: « أقبل أبو بكر فتيمّم النّبيّ صلى الله عليه وسلم وهو مسجّى ببرد حبرة ، فكشف عنه وجهه ، ثمّ أكبّ عليه فقبّله ، ثمّ بكى ، فقال: بأبي أنت يا رسول اللّه لا يجمع اللّه عليك موتتين » .

ج - تقبيل المصحف:

13 -ذكر الحنفيّة: وهو المشهور عند الحنابلة - جواز تقبيل المصحف تكريمًا له ، وهو المذهب عند الحنابلة ، وروي عن أحمد استحبابه ، لما روي عن عمر رضي الله عنه أنّه: كان يأخذ المصحف كلّ غداة ويقبّله ، ويقول: عهد ربّي ومنشور ربّي عزّ وجلّ ، وكان عثمان رضي الله عنه يقبّل المصحف ويمسحه على وجهه . وقال النّوويّ في التّبيان: روينا في مسند الدّارميّ بإسناد صحيح عن ابن أبي مليكة أنّ عكرمة بن أبي جهل كان يضع المصحف على وجهه ويقول: كتاب ربّي كتاب ربّي . ونقل صاحب الدّرّ عن القنية: وقيل: إنّ تقبيل المصحف بدعة ، وردّه بما تقدّم نقله عن عمر وعثمان .

وروي كذلك عن أحمد: التّوقّف في تقبيل المصحف ، وفي جعله على عينيه ، وإن كان فيه رفعه وإكرامه ، لأنّ ما طريقه التّقرّب إذا لم يكن للقياس فيه مدخل لا يستحبّ فعله ، وإن كان فيه تعظيم إلا بتوقيف ، ولهذا قال عمر عن الحجر: « لولا أنّي رأيت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقبّلك ما قبّلتك » . ولم نعثر في كتب المالكيّة على حكم لهذه المسألة .

د - تقبيل الخبز والطّعام:

14 -صرّح الشّافعيّة بجواز تقبيل الخبز ، وقالوا: إنّه بدعة مباحة أو حسنة ، لأنّه لا دليل على التّحريم ولا الكراهة ، لأنّ المكروه ما ورد عنه نهي ، أو كان فيه خلاف قويّ ، ولم يرد في ذلك نهي ، فإن قصد بذلك إكرامه لأجل الأحاديث الواردة في إكرامه فحسن ، ودوسه مكروه كراهة شديدة ، بل مجرّد إلقائه في الأرض من غير دوس مكروه .

وقال صاحب الدّرّ من الحنفيّة مؤيّدًا قول الشّافعيّة في جواز تقبيل الخبز: وقواعدنا لا تأباه.

أمّا الحنابلة فقالوا: لا يشرع تقبيل الخبز ولا الجمادات إلا ما استثناه الشّرع .

آثار التّقبيل:

أثر التّقبيل في الوضوء:

15 -صرّح الحنفيّة - وهو رواية عند الحنابلة - بعدم انتقاض الوضوء بمسّ الزّوجة ولا بتقبيلها ، لما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت: « إنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قبّل بعض نسائه ثمّ صلّى ولم يتوضّأ » .

وقالوا: إنّ المراد باللّمس في الآية: { أوْ لامَسْتُمْ النِّسَاءَ } الجماع كما فسّرها ابن عبّاس رضي الله عنه ، وقد تأكّد ذلك بفعل النّبيّ صلى الله عليه وسلم .

وقال الشّافعيّة - وهو رواية أخرى عند الحنابلة - إنّ اللّمس والتّقبيل ناقضان للوضوء مطلقًا لعموم قوله تعالى: { أَوْ لامَسْتُمْ النِّسَاءَ } ، ولأنّه مظنّة الالتذاذ المثير للشّهوة ، ومثله في ذلك باقي صور التقاء البشرتين بين الرّجل والمرأة ، ولا فرق في ذلك بين اللامس والملموس ، وزاد الشّافعيّة: ولو كان الممسوس ميّتًا .

والمشهور من مذهب أحمد أنّه يجب الوضوء على من قبّل لشهوة ، ولا يجب على من قبّل لرحمة . ولا فرق عنده بين الأجنبيّة والمحرم والصّغيرة الّتي تشتهى - أي ذات سبع سنين فأكثر - والكبيرة ، لعموم النّصّ ، خلافًا للشّافعيّة حيث قالوا بعدم النّقض بلمس ذوات المحارم بنسب أو رضاع أو مصاهرة في الأظهر ، لأنّها ليست محلًا للشّهوة .

أمّا المالكيّة فقد فصّلوا في ذلك فقالوا: تقبيل فم من يلتذّ صاحبه به عادة ناقض لوضوئهما مطلقًا ، وإن لم يقصد اللّذّة أو لم يجدها ، وإن كان بكره أو استغفال ، لأنّ القبلة على الفم لا تنفكّ عن اللّذّة غالبًا ، والنّادر لا حكم له .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت