فهرس الكتاب

الصفحة 698 من 2053

وفيه حديث « اقرءوا القرآن بلحون العرب وأصواتها ، وإيّاكم ولحون أهل الكتابين وأهل الفسق ، فإنّه سيجيء بعدي قوم يرجّعون بالقرآن ترجيع الغناء ، والرّهبانيّة لا يجاوز حناجرهم ، مفتونة قلوبهم وقلوب من يعجبهم شأنهم » .

قال النّوويّ: ويستحبّ طلب القراءة من حسن الصّوت ، والإصغاء إليها للحديث الصّحيح ، ولا بأس باجتماع الجماعة في القراءة ولا بإدارتها ، وهي أن يقرأ بعض الجماعة قطعة ثمّ البعض قطعة بعدها .

تفخيم التّلاوة:

14 -تستحبّ قراءة القرآن بالتّفخيم لحديث: « أنزل القرآن بالتّفخيم » قال الحليميّ: ومعناه أنّه يقرؤه على قراءة الرّجال ، ولا يخضع الصّوت فيه ككلام النّساء ، قال: ولا يدخل في هذا كراهة الإمالة الّتي هي اختيار بعض القرّاء ، ويجوز أن يكون القرآن نزل بالتّفخيم ، فرخّص مع ذلك في إمالة ما تحسن إمالته .

الجهر بالقراءة:

15 -وقد وردت أحاديث باستحباب الجهر بالقرآن ، وأخرى باستحباب الإخفاء ، فمن الأوّل حديث الصّحيحين: « ما أذن اللّه لشيء ما أذن لنبيّ حسن الصّوت يتغنّى بالقرآن يجهر به » ومن الثّاني حديث أبي داود والتّرمذيّ والنّسائيّ: « الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصّدقة ، والمسرّ بالقرآن كالمسرّ بالصّدقة » .

قال النّوويّ: والجمع بينهما أنّ الإخفاء أفضل ، حيث خاف الرّياء ، أو تأذّى مصلّون أو نيام بجهره ، والجهر أفضل في غير ذلك لأنّ العمل فيه أكثر ، ولأنّ فائدته تتعدّى إلى السّامعين ، ولأنّه يوقظ قلب القارئ ويجمع همّه إلى الفكر ، ويصرف سمعه إليه ، ويطرد النّوم ويزيد في النّشاط ، ويدلّ لهذا الجمع حديث أبي داود بسند صحيح عن أبي سعيد

« اعتكف رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في المسجد فسمعهم يجهرون بالقراءة فكشف السّتر وقال: ألا إنّ كلّكم مناج لربّه ، فلا يؤذينّ بعضكم بعضًا ، ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة » وقال بعضهم يستحبّ الجهر ببعض القراءة والإسرار ببعضها ، لأنّ المسرّ قد يملّ فيأنس بالجهر ، والجاهر قد يكلّ فيستريح بالإسرار .

المفاضلة بين قراءة القرآن في المصحف وقراءته عن ظهر قلب:

16 -للفقهاء في المفاضلة بين قراءة القرآن في المصحف ، وقراءته عن ظهر قلب ، ثلاثة اتّجاهات:

أ - أنّ القراءة من المصحف أفضل لأنّ النّظر فيه عبادة فتجتمع القراءة والنّظر .

بهذا قال القاضي حسين والغزاليّ .

روى الطّبرانيّ من حديث أبي سعيد بن عون المكّيّ عن عثمان بن عبيد اللّه بن أوس الثّقفيّ عن جدّه قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم « قراءة الرّجل في غير المصحف ألف درجة ، وقراءته في المصحف تضاعف على ذلك ألفي درجة » .

وعن عائشة مرفوعًا: « النّظر في المصحف عبادة ، ونظر الولد إلى الوالدين عبادة » .

ب - يرى أبو محمّد بن عبد السّلام أنّ القراءة عن ظهر قلب أفضل ، لأنّ المقصود من القراءة التّدبّر لقوله تعالى: { لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ } والعادة تشهد أنّ النّظر في المصحف يخلّ بهذا المقصود فكان مرجوحًا .

ج - قال النّوويّ في الأذكار: إن كان القارئ من حفظه يحصل له من التّدبّر والتّفكّر وجمع القلب أكثر ممّا يحصل له من المصحف ، فالقراءة من الحفظ أفضل ، وإن استويا فمن المصحف أفضل . قال وهو مراد السّلف .

قطع القرآن لمكالمة النّاس:

17 -يكره قطع القراءة لمكالمة أحد ، قال الحليميّ: لأنّ كلام اللّه لا ينبغي أن يؤثر عليه كلام غيره ، وأيّده البيهقيّ بما في الصّحيح كان ابن عمر إذا قرأ القرآن لم يتكلّم حتّى يفرغ منه ، وكره أيضا الضّحك والعبث والنّظر إلى ما يلهي .

قراءة القرآن بالعجميّة:

18 -لا يجوز قراءة القرآن بالعجميّة مطلقًا ، سواء أحسن العربيّة أم لا في الصّلاة أم خارجها . وعن أبي حنيفة أنّه يجوز مطلقا ، وعن أبي يوسف ومحمّد يجوز لمن لا يحسن العربيّة ، لكن في شرح البزدويّ أنّ أبا حنيفة رجع عن ذلك ، ووجه المنع أنّه يذهب إعجازه المقصود منه ، وعن القفّال: أنّ القراءة بالفارسيّة لا تتصوّر ، قيل له فإذا لا يقدر أحد أن يفسّر القرآن ، قال: ليس كذلك لأنّ هناك يجوز أن يأتي ببعض مراد اللّه ويعجز عن البعض ، أمّا إذا أراد أن يقرأه بالفارسيّة فلا يمكن أن يأتي بجميع مراد اللّه تعالى ، لأنّ التّرجمة إبدال لفظة بلفظة تقوم مقامها ، وذلك غير ممكن بخلاف التّفسير .

وللتّفصيل ( ر: ترجمة ف /5 ، 11 / 168 ) .

القراءة بالشّواذّ:

19 -نقل ابن عبد البرّ الإجماع على عدم جواز القراءة بالشّاذّ ، لكن ذكر موهوب الجزريّ جوازها في غير الصّلاة قياسًا على رواية الحديث بالمعنى .

ترتيب القراءة:

20 -الأولى أن يقرأ القارئ على ترتيب المصحف ، لأنّ ترتيبه لحكمة ، فلا يترك التّرتيب إلا فيما ورد فيه الشّرع ، كصلاة صبح يوم الجمعة و { الم تَنْزِيلُ } ، و { هَلْ أَتَى } ونظائره ، فلو فرّق السّور أو عكسها جاز وترك الأفضل ، وأمّا قراءة السّورة من آخرها إلى أوّلها . فمتّفق على منعه ، لأنّه يذهب بعض نوع الإعجاز ويزيل حكمة التّرتيب . لما روي عن ابن مسعود أنّه سئل عن رجل يقرأ القرآن منكوسًا ؟ قال: ذاك منكوس القلب ، وأمّا خلط سورة بسورة فإنّ تركه من الآداب ، لما أخرج أبو عبيد عن سعيد بن المسيّب « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال لبلال: يا بلال قد سمعتك وأنت تقرأ من هذه السّورة ومن هذه السّورة . قال: كلام طيّب يجمع اللّه تعالى بعضه إلى بعض . فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم كلّكم قد أصاب » .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت