والمذهب عند الحنابلة وهو المتبادر من كلام المالكيّة والشّافعيّة ، أنّه يجوز أن يستريح بعد كلّ أربع ركعات في صلاة التّراويح بجلسة يسيرة ، قال الحنابلة: وهو فعل السّلف ، ولا بأس بتركه ، ولا يدعو الإمام في الجلوس على الصّحيح من المذهب عند الحنابلة .
الجلوس قبل الخطبتين وبعد الصّعود إلى المنبر:
15 -لا خلاف بين الفقهاء في أنّ الخطيب يجلس إذا صعد المنبر في الجمعة ، واختلفوا في خطبة العيدين: فذهب الحنفيّة ، وهو وجه عند كلّ من المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه لا يجلس ، لأنّ الجلوس لانتظار فراغ المؤذّن من الأذان في الجمعة ، وهو غير مشروع في العيدين ، فلا حاجة إلى الجلوس .
وذهب المالكيّة وهو الصّحيح المنصوص عليه عند الشّافعيّة ، والمذهب عند الحنابلة إلى أنّه يجلس إذا صعد المنبر ليستريح ، ولأنّه أهدى لما يريد أن يفتتحه ، وفيه زيادة وقار .
حكم الجلوس بين الخطبتين ومقداره:
16 -ذهب الحنفيّة ، وجمهور المالكيّة ، والحنابلة في الصّحيح من المذهب إلى أنّ الجلوس بين خطبتي الجمعة ، والعيدين سنّة ، لما روي عن أبي إسحاق قال: رأيت عليًّا يخطب على المنبر فلم يجلس حتّى فرغ .
ويرى الشّافعيّة وهو رواية عن أحمد أنّ الجلوس بينهما بطمأنينة شرط من شروط الخطبة ، لخبر الصّحيحين « أنّه صلى الله عليه وسلم كان يخطب يوم الجمعة خطبتين يجلس بينهما » . ولا خلاف بين الفقهاء أنّ صفة هذه الجلسة أن تكون خفيفة ، وأمّا مقدارها فقد قيل: مقدار قراءة ثلاث آيات ، وقال جماعة من الفقهاء: بقدر سورة الإخلاص ، وقيل: مقدار الجلسة بين السّجدتين لأنّه فصل بين مشتبهتين .
الخطبة جالسًا:
17 -من خطب جالسًا: فإن كان لعذر فلا خلاف بين الفقهاء في أنّه يجوز ، لأنّ الصّلاة تصحّ من القاعد العاجز عن القيام فالخطبة أولى ، وكذلك الحكم إن كان بغير عذر في خطبتي العيد دون الجمعة ، عند الحنفيّة والمالكيّة ، والشّافعيّة ، وهو المذهب عند الحنابلة لأنّ خطبة العيد ليست واجبة فأشبهت صلاة النّافلة ، ولما روي أنّ عثمان رضي الله عنه لمّا أسنّ كان يخطب جالسًا ، وفي هذه الحالة ، فيفصل بينهما بسكتة .
الجلوس على الحرير:
18 -اختلف الفقهاء في جواز الجلوس على الحرير: فيرى المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ومحمّد من الحنفيّة - وقيل: أبو يوسف أيضًا مع محمّد - أنّه حرام ، لما رواه حذيفة قال: « نهانا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن لبس الحرير والدّيباج وأن يجلس عليه » . وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف إلى جوازه ، لما روي أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم « جلس على مرفقة حرير » ، وكان على بساط ابن عبّاس رضي الله عنهما مرفقة حرير . وأيضًا روي أنّ أنسًا رضي الله تعالى عنه حضر وليمة فجلس على وسادة حرير ، ولأنّ الجلوس على الحرير استخفاف وليس بتعظيم ، فجرى مجرى الجلوس على بساط فيه تصاوير .
وهذا في الخالص منه ، وأمّا في غيره ففيه تفصيل ينظر في مصطلح: ( حرير ) .
الجلوس للأكل والشّرب:
19 -لا خلاف بين الفقهاء في أنّه يندب الجلوس للأكل والشّرب وأنّ الشّرب قائمًا بلا عذر خلاف الأولى عند جمهور الفقهاء .
وأمّا هيئة الجلوس للأكل فقد صرّح فقهاء الحنفيّة والشّافعيّة بأنّ أحسن الجلسات للأكل الإقعاء على الوركين ونصب الرّكبتين ، ثمّ الجثيّ على الرّكبتين وظهور القدمين ، ثمّ نصب الرّجل اليمنى ، والجلوس على اليسرى .
والمندوب عند المالكيّة أن يقيم ركبته اليمنى أو مع اليسرى ، أو أن يجلس كالصّلاة ،
« وجثا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم مرّة على ركبته » .
أمّا الحنابلة فاستحسنوا أثناء الأكل الجلوس على الرّجل اليسرى ، ونصب اليمنى أو التّربّع . ويستحبّ للضّيف أن لا يطيل الجلوس من غير حاجة بعد الفراغ من الأكل ، بل يستأذن ربّ المنزل وينصرف لقوله تعالى: { فإذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا } وتفصيل ذلك في مصطلح: ( أكل ) .
جلوس من يتبع الجنازة قبل وضعها:
20 -ذهب الحنفيّة والحنابلة إلى أنّه يكره لمتّبع الجنازة الجلوس قبل وضعها ، ولا بأس بالجلوس بعد الوضع ، لما روي عن عبادة بن الصّامت « أنّه صلى الله عليه وسلم كان لا يجلس حتّى يوضع الميّت في اللّحد ، فكان قائمًا مع أصحابه على رأس قبر ، فقال يهوديّ: هكذا نصنع بموتانا ، فجلس صلى الله عليه وسلم وقال لأصحابه: خالفوهم » .أي في القيام. ثمّ صرّح الحنفيّة أنّ الكراهة هنا تحريميّة للنّهي عن ذلك ، فيما روي عن أبي سعيد مرفوعا: « إذا اتّبعتم الجنازة فلا تجلسوا حتّى توضع » وفي رواية أبي هريرة: « حتّى توضع بالأرض » . وعند المالكيّة لا بأس بالجلوس عند القبر قبل أن توضع الجنازة عن الأعناق . وعند الشّافعيّة هو بالخيار إن شاء قام منتظرًا ، وإن شاء جلس .
الجلوس للتّعزية:
21 -ذهب جمهور المتقدّمين من الحنفيّة إلى أنّه يرخّص الجلوس في المصيبة ثلاثة أيّام للرّجال في غير مسجد ، أمّا فيه فيكره ، ولا تجلس النّساء قطعًا .
وفي الظّهيريّة: لا بأس به لأهل الميّت في البيت أو المسجد والنّاس يأتونهم ويعزّونهم .
وقال المالكيّة يجوز أن يجلس الرّجل للتّعزية . لما روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنّها قالت: « لمّا قتل زيد بن حارثة ، وجعفر بن أبي طالب ، وعبد اللّه بن رواحة رضي الله تعالى عنهم ، جلس النّبيّ صلى الله عليه وسلم يعرف فيه الحزن » .