فهرس الكتاب

الصفحة 79 من 2053

وفي بعض المناطق لا تغيب الشّمس مطلقًا . ذهب بعض علماء الحنفيّة إلى عدم سقوط هذه الصّلوات عنهم ، ويقدّرون لكلّ صلاةٍ وقتًا ، ففي السّتّة الأشهر الّتي تستمرّ في نهارٍ دائمٍ يقدّرون للمغرب والعشاء والوتر والفجر وقتًا ، مثل ذلك السّتّة الأشهر الأخرى يقدّرون للصّبح والظّهر والعصر وقتًا ، باعتبار أقرب البلاد الّتي لا تتوارى فيها الأوقات الخمسة . وقد استدلّوا على ذلك بالقياس على أيّام الدّجّال ، الّذي هو من علامات السّاعة الكبرى ، فقد أمر النّبيّ صلى الله عليه وسلم بالتّقدير فيها ، في الحديث الّذي رواه مسلم قال: « ذكر النّبيّ صلى الله عليه وسلم الدّجّال ولبثه في الأرض أربعين يومًا: يوم كسنةٍ ، ويوم كشهرٍ ، ويوم كجمعةٍ ، وسائر أيّامه كأيّامكم . قال الرّاوي قلنا: يا رسول اللّه: أرأيت اليوم الّذي كالسّنة ، أتكفينا فيه صلاة يومٍ ؟ قال: لا ، ولكن اقدروا له » . أي صلّوا صلاة سنةٍ في اليوم الّذي هو كسنةٍ ، وقدّروا لكلّ صلاةٍ وقتًا .

وذهب بعض فقهاء الحنفيّة إلى سقوط الصّلوات الّتي لم يجدوا وقتًا لها ، لأنّ الوقت سبب للوجوب ، فإذا عدم السّبب - وهو الوقت - عدم المسبّب وهو الوجوب .

وهذا ينطبق على البلاد الّتي يقصر فيها اللّيل أربعين يومًا في الصّيف ، فقبل أن يغيب الشّفق الأحمر ، يظهر الفجر الصّادق فلا يوجد وقت للعشاء والوتر ، لأنّ أوّل وقت العشاء مغيب الشّفق الأحمر ، وقد ظهر الفجر الصّادق قبل أن يغيب الشّفق .

فذهب بعض علماء الحنفيّة والمالكيّة إلى عدم سقوط الوتر والعشاء عن أهل هذه البلاد ، بل يقدّرون للعشاء والوتر وقتًا باعتبار أقرب البلاد إليهم . وذهب بعض آخر من علماء الحنفيّة إلى سقوط الوتر والعشاء ، وهو الّذي مشى عليه صاحب نور الإيضاح وعبارته: ومن لم يجد وقتها لم تجب عليه . لكنّه خلاف المذهب وما عليه المتون .

وذهب بعض المالكيّة ، وهو مذهب الشّافعيّة إلى تقدير مغيب شفق أقرب البلاد إليهم ، فإذا كان أقرب البلاد إليهم يغيب فيها الشّفق بعد ساعةٍ من غروب الشّمس ، ومدّة اللّيل في هذه البلاد ثماني ساعاتٍ ، فيكون أوّل العشاء عندهم بعد ساعةٍ من غروب الشّمس ، وإذا كانت مدّة اللّيل في البلاد الّتي ليس فيها عشاء اثنتي عشرة ساعةً ، فيقدّر مغيب الشّفق عندهم بساعةٍ ونصفٍ من غروب الشّمس ، لأنّ مدّة بقاء الشّفق في أقرب البلاد إليهم ساعة ، وهي تعادل الثّمن من اللّيل ، لأنّ اللّيل عندهم ثماني ساعاتٍ ، والبلاد الّتي ليس فيها عشاء وليلها اثنتا عشرة ساعةً ، يقدّر لغياب الشّفق ثمن هذه المدّة ، وهي ساعة ونصف .

وذهب الشّافعيّة إلى وجوب قضاء العشاء على أهل هذه البلاد ، ولا يسقط عنهم .

قال ابن عابدين: هذه المسألة نقلوا فيها الخلاف بين ثلاثةٍ من مشايخنا وهم: البقّاليّ والحلوانيّ والبرهانيّ الكبير ، وأفتى البقّاليّ: بعدم الوجوب ، وكان الحلوانيّ يفتي بالقضاء ، ثمّ وافق البقّاليّ حينما أرسل إليه من يسأله عمّن أسقط صلاةً من الصّلوات الخمس: أيكفر ؟ فأجاب البقّاليّ السّائل: من قطعت يداه أو رجلاه كم فروض وضوئه ؟ قال: ثلاث . قال: فكذلك الصّلاة ، فاستحسن الحلوانيّ ، ورجع إلى قول البقّاليّ بعدم الوجوب . أمّا الكمال ابن الهمام فقد رجّح القول بالوجوب ، ومنع ما أفتى به البقّاليّ من القول بعدم الوجوب لعدم السّبب وهو الوقت ، كما يسقط غسل اليدين عن مقطوعهما .

وقال: لا يرتاب متأمّل في ثبوت الفرق بين عدم محلّ الفرض ، وبين عدم السّبب وهو الوقت . إلى أن قال: وانتفاء الدّليل على الشّيء لا يلزم فيه انتفاء هذا الشّيء ، لجواز دليلٍ آخر . وقد وجد وهو ما تواطأت عليه أخبار الإسراء ، من فرض اللّه تعالى الصّلوات الخمس ، وجعلها شرعًا عامًّا لأهل الآفاق ، لا تفضيل بين قطرٍ وقطرٍ .

قال ابن عابدين: وقد ورد في هذه المسألة قولان مصحّحان في المذهب ، والأرجح القول بالوجوب ، لا سيّما إذا قال به إمام من الأئمّة ، وهو الشّافعيّ رضي الله عنه ، وهل ينوي القضاء أو لا ينويه ؟ ذكر في الظّهيريّة أنّه لا ينوي القضاء لفقد وقت الأداء ، واعترضه الزّيلعيّ بأنّه إذا لم ينو القضاء يكون أداءً ، ضرورةً لا واسطة بينهما ، وهي ليست أداءً ، لأنّ الوقت الّذي صلّيت فيه ليس وقتًا لصلاة العشاء ، بل وقت لصلاة الصّبح .

ومعنى التّقدير عند الحنفيّة: افتراض أنّ الوقت موجود ، وإن كان الوقت وقتًا لصلاة الصّبح ، وهذا بخلاف معنى التّقدير عند الشّافعيّة وبعض المالكيّة ، على ما بيّنّاه سابقًا من مذهبهم . أمّا البلاد الّتي يقصر فيها وقت الظّهر ، فيبلغ ظلّ الشّيء مثله بعد زوال الشّمس عن وسط السّماء بوقتٍ قصيرٍ لا يتمكّن فيه المصلّي من صلاة الظّهر ، فلم نجد في كتب الفقهاء نصًّا على حكم هذه المسألة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت