وفي الموضوع خلاف وتفصيل ينظر في مصطلح ( إحرام ) .
الحلق للتّحلّل من الإحرام:
8 -يرى الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة في أظهر القولين والحنابلة على ظاهر المذهب أنّ الحلق أو التّقصير نسك في الحجّ والعمرة ، فلا يحصل التّحلّل في العمرة والتّحلّل الأكبر في الحجّ إلاّ مع الحلق .
وقال الشّافعيّة في أحد القولين - وهو خلاف الأظهر - وأحمد في قول: إنّ الحلق أو التّقصير ليس بنسك ، وإنّما هو إطلاق من محظور كان محرّمًا عليه بالإحرام فأطلق فيه عند الحلّ ، كاللّباس والطّيّب وسائر محظورات الإحرام ، وهذا ما حكاه القاضي عياض عن عطاء وأبي ثور وأبي يوسف أيضًا .
فعلى هذا الاتّجاه لا شيء على تارك الحلق ويحصل التّحلّل بدونه .
هذا ولا تؤمر المرأة بالحلق بل تقصّر لما ورد عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال: « ليس على النّساء حلق وإنّما عليهنّ التّقصير » . وروى عليّ رضي الله عنه « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم نهى المرأة أن تحلق رأسها » ولأنّ الحلق للتّحلّل في حقّ النّساء بدعة وفيه مثلة ، ولهذا لم تفعله واحدة من نساء رسول اللّه صلى الله عليه وسلم .
مقدار الواجب حلقه للتّحلّل:
9 -لا خلاف بين الفقهاء في أفضليّة حلق جميع الرّأس على التّقصير لقوله عزّ وجلّ: { مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ } والرّأس اسم للجميع ، وكذا روي « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم حلق جميع رأسه » .
وإنّما اختلفوا في أقلّ ما يجزئ من الحلق: فذهب المالكيّة والحنابلة إلى أنّه لا يجزئ حلق بعض الرّأس ، « لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم حلق جميع رأسه » فكان تفسيرًا لمطلق الأمر بالحلق . فوجب الرّجوع إليه .
ويرى الحنفيّة أنّ من حلق أقلّ من ربع الرّأس لم يجزه ، وإن حلق ربع الرّأس أجزأه ويكره. أمّا الجواز فلأنّ ربع الرّأس يقوم مقام كلّه في القرب المتعلّقة بالرّأس كمسح ربع الرّأس في باب الوضوء . وأمّا الكراهة فلأنّ المسنون هو حلق جميع الرّأس وترك المسنون مكروه . وقال الشّافعيّة: أقلّ ما يجزئ ثلاث شعرات حلقًا أو تقصيرًا من شعر الرّأس .
وقال النّوويّ: فتجزئ الثّلاث بلا خلاف عندنا ولا يجزئ أقلّ منها .
وحكى إمام الحرمين ومن تابعه وجهًا أنّه يجزئ شعرة واحدة . قال النّوويّ وهو غلط .
المفاضلة بين الحلق والتّقصير للتّحلّل:
10 -قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أنّ التّقصير يجزئ في حقّ من لم يوجد منه معنًى يقتضي وجوب الحلق عليه . كما أجمعوا على أنّ الحلق أفضل من التّقصير في حقّ الرّجل ، لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: « اللّهمّ ارحم المحلّقين . قالوا: والمقصّرين يا رسول اللّه . قال: اللّهمّ ارحم المحلّقين . قالوا: والمقصّرين يا رسول اللّه . قال: اللّهمّ ارحم المحلّقين والمقصّرين » . فقد دعا النّبيّ صلى الله عليه وسلم للمحلّقين ثلاثًا وللمقصّرين مرّةً ، ولأنّ ذكر المحلّقين في القرآن قبل المقصّرين ، ولأنّ الحلق أكمل في قضاء التّفث ، وفي التّقصير بعض تقصير فأشبه الاغتسال مع الوضوء .
وأمّا النّساء فليس عليهنّ الحلق بالإجماع وإنّما عليهنّ التّقصير كما تقدّم .
هذا وللتّفصيل في آداب الحلق للتّحلّل وزمانه ومكانه ، وحكم تأخيره عن زمانه ومكانه ، تنظر أبواب الحجّ من كتب الفقه ومصطلحات ( إحرام ، إحصار ، تحلّل ، وتحليق ) .
حلق العانة والإبط:
11 -لا خلاف بين الفقهاء في أنّه يستحبّ حلق العانة بالنّسبة للرّجل ، لأنّه من الفطرة ، كما جاء في الحديث: « الفطرة خمس » ، وذكر منها الاستحداد وهو حلق العانة .
وأمّا المرأة فيستحبّ لها النّتف عند الجمهور . وتفصيل ذلك في مصطلح ( استحداد ) .
وأمّا حلق شعر الإبط فجائز لمن شقّ عليه النّتف ، والأفضل فيه النّتف .
حلق شعر سائر الجسد:
12 -يرى جمهور الفقهاء أنّه لو نبتت للمرأة لحية أو شارب أو عنفقة كان لها إزالتها بالحلق . وذهب المالكيّة إلى أنّه يجب عليها إزالتها .
وقال ابن جرير: لا يجوز للمرأة حلق لحيتها ولا عنفقتها ولا شاربها ، ولا تغيير شيء من خلقتها بزيادة ولا نقص منه ، قصدت به التّزيّن لزوج أو غيره ، لأنّها في جميع ذلك مغيّرة خلق اللّه ومتعدّية على ما نهى عنه .
وأمّا حلق شعر سائر الجسد كشعر اليدين والرّجلين فقد صرّح المالكيّة بوجوبه في حقّ النّساء وقالوا: يجب عليها إزالة ما في إزالته جمال لها ولو شعر اللّحية إن نبتت لها لحية ، ويجب عليهنّ إبقاء ما في إبقائه جمال لها فيحرم عليها حلق شعرها .
وأمّا حلق شعر الجسد في حقّ الرّجال فمباح عند المالكيّة ، وقيل: سنّة ، والمراد بالجسد ما عدا الرّأس .
وذهب الحنفيّة إلى أنّه لا يحلق الرّجل شعر حلقه ، وعن أبي يوسف لا بأس بذلك . وفي حلق شعر الصّدر والظّهر ترك الأدب .
ولم يستدلّ على نصّ للشّافعيّة والحنابلة في المسألة .
هذا وللفقهاء خلاف وتفصيل في حلق شعر الحاجبين ينظر في ( تنمّص ) .
حلق شعر الكافر إذا أسلم:
13 -ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ الكافر إذا أسلم يسنّ حلق رأسه ، لما روي « عن عثيم بن كليب عن أبيه عن جدّه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال له: ألق عنك شعر الكفر » . قال الرّمليّ: وظاهر إطلاقهم أي الشّافعيّة عدم الفرق هنا في استحباب الحلق بين الذّكر وغيره وهو محتمل .