وأيضًا روي « من دخل الحمّام بغير مئزر لعنه الملكان » قال ابن ناجي من المالكيّة: دخول الرّجل الحمّام على ثلاثة أوجه: الأوّل: دخوله مع زوجته ، أو وحده فمباح ، الثّاني: دخوله مع قوم لا يستترون فممنوع ، الثّالث: دخوله مع قوم مستترين فمكروه ، إذ لا يؤمن أن ينكشف بعضهم فيقع بصره على ما لا يحلّ . وقيل في هذا الوجه: إنّه جائز .
7-إذا كان الدّاخل امرأةً فيباح لها دخوله مع مراعاة ما سبق ، وبوجود عذر من حيض أو نفاس ، أو جنابة أو مرض ، أو حاجة إلى الغسل ، وأن لا يمكنها أن تغتسل في بيتها لخوفها من مرض أو ضرر ، لما روى أبو داود عن ابن عمر رضي الله عنهما « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: إنّها ستفتح لكم أرض العجم وستجدون فيها بيوتًا يقال لها الحمّامات ، فلا يدخلنها الرّجال إلاّ بالأزر ، وامنعوها النّساء إلاّ مريضةً أو نفساء » .
ولخبر « ما من امرأة تضع أثيابها في غير بيت زوجها إلاّ هتكت السّتر بينها وبين ربّها » . ولأنّ أمر النّساء مبنيّ على المبالغة في السّتر ، ولما في خروجهنّ واجتماعهنّ من الفتنة . فإن لم يكن لها عذر كره لها دخول الحمّام .
وذكر ابن عابدين نقلًا عن إحكامات الأشباه: أنّ المعتمد أن لا كراهة مطلقًا ، ثمّ قال ابن عابدين: وفي زماننا لا شكّ في الكراهة لتحقّق كشف العورة .
وفي قول عند المالكيّة: إنّما منع دخولهنّ حين لم يكن لهنّ حمّامات منفردة ، فأمّا مع انفرادهنّ عن الرّجال فلا بأس ، وقال ابن الجوزيّ ، وابن تيميّة: إنّ المرأة إذا اعتادت الحمّام وشقّ عليها تركت دخوله إلاّ لعذر أنّه يجوز لها دخوله .
دخول الذّمّيّة الحمّام مع المسلمات:
8 -يرى جمهور الفقهاء خلافًا للحنابلة في المعتمد أنّ للمرأة المسلمة إذا كانت في الحمّام مع النّساء المسلمات أن تكشف عن بدنها ما ليس بعورة بالنّسبة إلى النّساء المسلمات ، وهو ما عدا ما بين السّرّة والرّكبة .
وعند بعض الفقهاء يجب عليها في الحمّام أن تستر جميع بدنها لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: « أيّما امرأة وضعت ثيابها في غير بيت زوجها هتكت ستر ما بينها وبين اللّه » . أمّا الذّمّيّة فليس لها عند الجمهور أن تنظر من المسلمة إلاّ ما يراه الرّجل الأجنبيّ منها ، ولهذا نصّ الشّافعيّة على أنّ المرأة الذّمّيّة تمنع من دخول الحمّام مع النّساء ، وقد كتب عمر رضي الله عنه إلى أبي عبيدة بن الجرّاح أنّه بلغني أنّ نساء أهل الذّمّة يدخلن الحمّامات مع نساء المسلمين فامنع من ذلك . وحل دونه فإنّه لا يجوز أن ترى الذّمّيّة عريّة المسلمة . وقال ابن عبّاس: لا يحلّ للمسلمة أن تراها يهوديّة أو نصرانيّة لئلاّ تصفها لزوجها .
آداب الدّخول إلى الحمّام والخروج منه:
9 -من آدابه: - أن يسلّم الأجرة أوّلًا أي قبل دخوله ، ذكر هذا الشّافعيّة .
-وأن يقصد بدخوله التّنظيف والتّطهير لا التّرفّه والتّنعّم .
-وأن يقدّم رجله اليسرى في دخوله ، واليمنى في خروجه .
-ويقصد موضعًا خاليًا ، لأنّه أبعد من أن يقع في محظور .
-ويقلّل الالتفات تجنّبًا لرؤية عورة .
-ولا يكثر الكلام ، ويتحيّن بدخوله وقت الفراغ أو الخلوة إن قدر على ذلك .
-ولا يطيل المقام ، ويمكث فيه مكثًا متعارفًا ، وأن يصبّ صبًّا متعارفًا من غير إسراف .
طهارة ماء الحمّام:
10 -ذهب الحنفيّة والحنابلة إلى أنّه يجزئ الغسل والوضوء بماء الحمّام ، ويجعل بمنزلة الماء الجاري ، لأنّ الأصل الطّهارة فلا تزول بالشّكّ .
وصرّح الحنفيّة بأنّ من أدخل يده في حوض الحمّام وعليها نجاسة ، فإن كان الماء ساكنًا لا يدخل فيه شيء من الأنبوب ، ولا يغترف النّاس بالقصعة ، يتنجّس ماء الحوض ، وإن كانوا يغترفون من الحوض ، بقصاعهم ، ولا يدخل من الأنبوب ماء أو على العكس اختلفوا فيه ، وأكثرهم على أنّه ينجّس ماء الحوض .
وإن كان النّاس يغترفون بقصاعهم ، ويدخل الماء من الأنبوب ، اختلفوا فيه: وأكثرهم على أنّه لا ينجّس . وأمّا الماء الّذي صبّ على وجه الحمّام ( أي أرضه ) فالأصحّ أنّ ذلك الماء طاهر ما لم يعلم أنّ فيه خبثًا ، حتّى لو خرج إنسان من الحمّام وقد أدخل رجليه في ذلك الماء ، ولم يغسلهما بعد الخروج وصلّى جاز .
وإذا تنجّس حوض الحمّام فدخل فيه الماء فقد صرّح الحنفيّة أنّه لا يطهر ما لم يخرج منه مثل ما كان فيه ثلاث مرّات ، وقال بعضهم: إذا خرج منه مثل ما كان فيه مرّةً واحدةً يطهر ، لغلبة الماء الجاري عليه ، والأوّل أحوط .
السّلام في الحمّام:
11 -لا يستحبّ أن يسلّم على من في الحمّام لأنّ أحواله لا تناسب ذلك ، وإذا سلّم عليه فلا يجب الرّدّ ، وقيل: لا يردّ . وقال أحمد: لا أعلم أنّني سمعت فيه شيئًا ، ويرى بعض الحنابلة أنّ الأولى جوازه من غير كراهة ، لدخوله في عموم قوله صلى الله عليه وسلم: « أفشوا السّلام بينكم » ولأنّه لم يرد فيه نصّ ، والأصل في الأشياء الإباحة .
قراءة القرآن والذكر في الحمّام:
12 -ذهب الحنفيّة ، والحنابلة إلى أنّ قراءة القرآن في الحمّام تكره ، لأنه محل لكشف العورة ، ويفعل فيه مالا يحسن في غيره ، فيصان القرآن عنه .
إلا أنّ الحنفيّة قيدوا الكراهة برفع الصّوت ، فإن لم يرفع لا يكره وهو المختار عندهم ، وحكى ابن عقيل الكراهية عن علي وابن عمر رضي الله تعالى عنهم ، وبه قال أبو وائل ، والشعبي ومكحول ، وقبيصة بن ذؤيب ، وأما إذا قرأ القرآن خارج الحمّام في موضع ليس فيه غسالة الناس نحو مجلس الحمّامي والثيابي فقال أبو حنيفة: لا يكره. ويكره عند محمد.